الثلاثاء 21 / ذو الحجة / 1441 - 11 / أغسطس 2020
[5] من قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} الآية:50 إلى آخر السورة‎ ‎
تاريخ النشر: ٢٣ / شوّال / ١٤٣٢
التحميل: 3265
مرات الإستماع: 3257

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

وقوله: وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [سورة القمر:50] وهو إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه كما أخبر بنفوذ قدره فيهم، فقال: وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ أي: إنما نأمر بالشيء مرة واحدة، لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلا موجودا كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ يحتمل أن يكون المراد بذلك ما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا: "أي: إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى تأكيد بثانية"، يعني: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [سورة النحل:40]، وهذا يدل على كمال قدرته -تبارك وتعالى. 

ويحتمل أن يكون المراد بذلك معنى أخص من هذا، وهو الساعة، فإن الساعة تأتي بغتة لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً [سورة الأعراف:187]، وقد ذكر النبي ﷺ ذلك بقوله: تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يَلِطُ في حوضه فما يصدر حتى تقوم[1]، وهكذا في أشياء ذكرها النبي ﷺ، فأمر الساعة ووقوعها شيء مباغت سريع في غاية السرعة.

وهذا القول داخل ضمن القول الأول، والقول الأول أشمل، وقد دل على كل واحد منهما القرآن، فدل على الأول قوله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ في غاية السرعة، وكذلك أيضاً أمر الساعة فإنه يقع سريعاً وهو من جمله أمره -تبارك وتعالى: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ والمقصود باللمح بالبصر هو النظرة الخاطفة التي لا يسترسل صاحبها في النظر فيها، تقول لمحة، حصلت لمحة: نظرة سريعة.

المقصود باللمح بالبصر هو النظرة الخاطفة التي لا يسترسل صاحبها في النظر فيها، تقول لمحة، حصلت لمحة: نظرة سريعة.

وقوله: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ يعني: أمثالكم وسلفكم من الأمم السابقة المكذبين بالرسل.

الأشياء يمكن أن تفسر بهذا باعتبار السياق وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ باعتبار أن السابقين من الأمم المكذبة ليسوا أعواناً لهؤلاء ولا علاقة بينهم وبين هذه الأمور الأخرى، وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ وإلا فإن الأشياع يطلقون على الأتباع والأعوان، لكن هؤلاء لم يكونوا من أتباعهم ولا من أعوانهم، وإن كان فسره بعض أهل العلم بهذا، يعني بعضهم قال: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ أي: أعوانكم وأتباعكم، وهذا لا يخلو من بُعد؛ لأن الذي هلك إنما هم أمثالهم وأشباههم مما قص الله خبرهم، وأما الأتباع فلم يحصل لهم هذا، والخطاب لجميع هؤلاء المكذبين الذين نزل القرآن مخاطباً لهم، ومن قال: إن المقصود الأتباع يمكن أن يحمل ذلك على أن هذا الكلام متوجه لأولئك الذين أُهلكوا، لكنه لا يخلو من بعد.

فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك، وقدر لهم من العذاب، كما قال: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [سورة سبأ:54].

وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ أي: مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة -عليهم السلام.

وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ الزبر يعني الكتب، ويحتمل أن يكون المراد بذلك اللوح المحفوظ باعتبار أن الله كتب فيه مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، ويقول الله كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [سورة الإسراء:58] يعني: مكتوباً، ويحتمل أن يكون ذلك في الكتب التي بأيدي الملائكة، والمقصود بها كتب الأعمال التي يعملها العبد، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [سورة ق:18]، وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [سورة الكهف:49]، فيكتب عليهم هذه الأعمال، ثم بعد ذلك يوم القيامة يجدون هذه الكتب فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله. 

ويحتمل أن يكون المراد بالكتب: التي بأيدي الملائكة مما يكتب فيه القدر، فإن القدر مكتوب، فالأمور المقدرة مكتوبة في اللوح المحفوظ، وهناك كتابة في صحف بأيدي الملائكة، وهذه هي التي قال الله فيها: يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [سورة الرعد:39] يعني: اللوح المحفوظ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ فيُؤمر بأربع كلمات...[2]، ومنه ما هو حولي في السنة فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [سورة الدخان:4]، وكذلك الأعمال التي يعملها الإنسان تكتب، فالجمع بين هذه الأقوال ما عملوه وما سيعملوه كل ذلك مكتوب، وهو الذي رجحه الحافظ ابن القيم -رحمه الله.

وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ أي: من أعمالهم مُسْتَطَرٌ أي: مجموع عليهم، ومسطر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وقد روى الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول: يا عائشة، إياك ومُحَقِّرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا[3]، رواه النسائي وابن ماجة.

وقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [سورة القمر:54] أي: بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال والسُّعر والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد.

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍالنهَر والنهَر واحد على المشهور، وهما لغتان فيه: نهَر ونهْر، والنهر واحد يمكن أن يراد به معنى الجمع، فإن المفرد قد يطلق ويراد به الجمع إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ أي: وأنهار.

النهَر والنهْر واحد على المشهور، وهما لغتان فيه: نهَر ونهْر، والنهر واحد يمكن أن يراد به معنى الجمع، فإن المفرد قد يطلق ويراد به الجمع إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ أي: وأنهار.

وقوله: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي: في دار كرامة الله ورضوانه وفضله، وامتنانه وجوده وإحسانه.

فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ يقال: دار الكرامة، ولا يبعد من هذا قول من قال: مجلس حق لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ [سورة الطور:23]، فإن هذه من جملة دار الكرامة المجلس الذي لا يعصى الله فيه، ولا يَسمع فيه لغواً ولا تأثيماً، لا يَسمع فيه ما يؤثمه كالغيبة التي في مجالس الناس، ولا يحصل منه إثم في هذا المجلس، ولا يتوجه إليه إثم، لا يؤثم بما يقول، وإنما في غاية الطهارة والنزاهة، فهو مجلس حق، والمقصود به الجنة.

فهذه العبارات ترجع إلى معنى واحد فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي: الجنة مقعد الصدق هذا من أوصافه أنه دار الكرامة، وأنه مقعد حق لا تأثيم فيه، ولا لغو، كما قال الله : لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ۝ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [سورة الواقعة:25، 26] وكل ما يمكن أن يوصف به المقعد الحسن داخل في هذا، أوصاف المقعد من الحسن كلها داخلة فيه، ولفظة مَقْعَدِ صِدْقٍ في كلام العرب يراد بها الكمال والجمال، فيدخل فيه الكمال الحسي والكمال المعنوي، وهو جنة فهي دار الكرامة.

عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون؛ وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو -يَبلُغُ به النبي ﷺ قال: المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا[4]، وأخرجه مسلم والنسائي.

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ۝ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [سورة القمر:54، 55] وهو الجنة، وقوله هنا: المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين من أهل العلم من حمله على ظاهره.

ومنهم من قال: إن المراد بذلك الكمال وليس المقصود تأويل الصفة، فالصفة –صفة اليد- تثبت كما يليق بجلال الله وعظمته، لكن يقصدون هل يقال: إن لله شمالاً أو لا؟ فبعضهم يقول: الرواية التي في صحيح مسلم في طي السموات وقبض الأرض، وذكر الشمال يقال: إنها شاذة، وإنما المقصود بالحديث الآخر: كلتا يديه يمين، أنها ليست كالشمال عند بني آدم فإنها أنقص من اليمين، ناقصة حساً ومعنى، وأما الله -تبارك وتعالى- فلا يتطرق إليه نقص، فكلتا يديه يمين بهذا الاعتبار، فمن أهل العلم من أثبت الحديثين وفسر كلتا يديه يمين بهذا التفسير، ومنهم من قال: لا يقال: إن لله شمالاً، والرواية التي في مسلم شاذة.

  1. رواه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة، برقم (2954).
  2. رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم (3036)، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، برقم (2643).
  3. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (25177)، وقال محققوه: حديث حسن، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب، برقم (4243)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (2731).
  4. رواه أحمد في المسند، برقم (6492)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم (1827)، والنسائي، كتاب آداب القضاة، باب فضل الحاكم العادل في حكمه، برقم (5379).

مواد ذات صلة