الثلاثاء 04 / صفر / 1442 - 22 / سبتمبر 2020
[2] من قوله تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} الآية:3 - إلى قوله تعالى: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} الآية:8
تاريخ النشر: ٢٧ / رمضان / ١٤٣٤
التحميل: 4290
مرات الإستماع: 3267

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [سورة الغاشية: 8]، يعني: في الجنة يظهر عليها أثر النعيم.

وقوله: لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ [سورة الغاشية:9]، أي: قد رضيت عملها الذي عملته في الدنيا، وهذا يقتضي رضاها بثواب هذا العمل، فمن فسره بالثواب فهو: تفسير باللازم.

وقوله: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [سورة الغاشية:10]، أي: مرتفعة، وأعالي الأمكنة هي: الأشرف، وكذلك أيضاً هي: عالية القدر.

وقوله: لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً [سورة الغاشية:11]، أي: من هذا النعيم أنه لا يُسمع في هذه الجنة شيء من اللغو، وهو: الكلام الباطل الساقط الذي لا عائدة فيه، ولا فائدة.

وقوله: فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [سورة الغاشية:12] أي: في هذه الجنة عين جارية، أي: عيون تجري، والماء الجاري لا شك أنه أنقى وأطيب؛ إذ إن جريه ينقيه ويطيبه، بخلاف الماء إذا كان قارًّا راكدًا، فإن ذلك يكون مظنة للتغير فيأسن، والجنة ليس فيها ماء آسن.

وقوله: فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [سورة الغاشية:13]، السرر المرفوعة يعني: في مواضعها، وهي أيضاً مرفوعة في قدرها، وهي أيضاً مرفوعة من كل دنس.

وقوله: وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ [سورة الغاشية:14] أي: هذه الأكواب قريبة المتناول من أيدي آخذها.

وقوله: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [سورة الغاشية:15] هي: الوسائد.

وقوله: وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [سورة الغاشية:16] أي: البسط الكثيرة في كل ناحية، حيث سرّحوا أنظارهم، فهم يتقلبون في النعيم حيث شاءوا.

ثم يلفت الأنظار إلى دلائل القدرة، فيقول: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [سورة الغاشية:17]، أي: خلقت بهذا الخلق الممتد بهيئتها وضخامتها وقوائمها وما يتصل بها من ألوان العجائب في خلقها.

ويقول: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [سورة الغاشية:18]، أي: هذا البناء الضخم الهائل من غير أعمدة، ولا حاجة إلى رافعة.

ويقول: وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [سورة الغاشية:19]، أي: كيف صارت بهذه الهيئة شاهقة في قممها، ولو اجتمع الناس على أن يخلقوا مثلها لما استطاعوا.

ويقول: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [سورة الغاشية:20]، فصارت مبسوطة يسير الناس عليها من غير كلفة ولا مشقة، ويزرعون، ويحصل لهم بذلك أنواع المنافع.

ثم قال بعد ذلك: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [سورة الغاشية:21]، أي: هذه هي مهمتك، والشواهد والدلائل والحجج والبراهين قائمة على هؤلاء، والله سيتولى جزاءهم وحسابهم.

ثم قال: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [سورة الغاشية:22] أي: فأنت لا تكرههم ولا تجبرهم ولا تقهرهم على الإيمان.

قال: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ [سورة الغاشية:23]، أي: لكن من تولى وكفر فالله -تبارك وتعالى- يعذبه، كما قال: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ [سورة الغاشية:24]، وذلك في نار جهنم.

ثم قال:إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [سورة الغاشية:25] أي: فهم يرجعون إليه، ثم يحاسبهم بعد ذلك؛ فلذلك قال: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [سورة الغاشية:26].

وأما سورة الفجر فقلنا: إنها تتحدث في مجملها عن الجزاء.

وأما قوله: وَالْفَجْرِ [سورة الفجر:1] فيقسم بالفجر بإطلاق، فيدخل فيه فجر عرفة، وفجر يوم النحر، وغير ذلك، فالفجر وقت شريف، وهو: أجل أوقات اليوم.

وقوله: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [سورة الفجر:2]، يقسم بالليالي العشر، والليالي العشر هي: العشر من ذي الحجة، وهي أفضل عشر في العام، وفيها أعمال الحج.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللحاضرين.

قال المصنف -رحمه الله: وقوله تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [سورة الفجر:3]، قد تقدم في هذا الحديث[1] أن الوتر: يوم عرفة؛ لكونه التاسع، وأن الشفع: يوم النحر؛ لكونه العاشر، وقاله ابن عباس وعكرمة والضحاك أيضاً، وفي تفسيرهما أقوال أخرى.

هذا التفسير على اعتبار الحديث السابق من أن الوتر هو: يوم عرفة، وأن الشفع هو: يوم النحر، ولكن الحديث ضعيف؛ فبسبب ذلك اختلفت أقوال أهل العلم في المراد بالشفع والوتر.

والظاهر -والله تعالى أعلم: أنه مطلق في كل شفع وفي كل وتر، وذلك لأن الله -تبارك وتعالى- أطلق ذلك، كما سبق في الفجر، فلم يخص شيئًا بعينه مما يصدق عليه أنه شفع، أو يصدق عليه أنه وتر، فيعم ذلك كل شفع ووتر، فيدخل في ذلك أقوال السلف التي قالوها في الشفع والوتر، فإن ذلك يصدق عليه، ويتناوله كما يتناول غيره مما يحتمله المعنى -والله تعالى أعلم، فهذا يعم كل الأشياء شفعها ووترها، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير -رحمه الله.

وبعضهم يقول: شفع الليالي ووترها، وهذا مما يدخل في المعنى كما سبق، وهكذا ما جاء عن قتادة: شفع الصلاة ووترها، فهذا كله مما يصلح أن يكون من قبيل التفسير بالمثال، فالصلاة منها شفع ومنها وتر، سواء كان ذلك في الفريضة، كالمغرب فهي: وتر، والصلوات الأخرى هي: شفع، وكذلك في غير الفريضة.

وبعضهم يقول: الشفع هم الخلق، والوتر هو الله -تبارك وتعالى، فهو أحد فرد صمد، وهذا قال به طائفة من السلف، كمحمد بن سيرين ومسروق وأبي صالح وقتادة.

وبعضهم يقول غير ذلك، كقول من قال: الشفع هي: عشر ذي الحجة، والوتر هي: أيام منى الثلاثة، فالعشر شفع، والثلاثة وتر.

وبعضهم يقول: الشفع هو: اليومان من الثلاثة، أي: من أيام منى، والوتر هو: اليوم الثالث، وكل هذا مما يمكن أن يكون من قبيل التفسير بالمثال.

وقوله -تبارك وتعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ هكذا بفتح الواو، هذه قراءة الجمهور، وهي: لغة لقريش، وأهل الحجاز، تقول: نصلي الوَتر، بفتح الواو، وتقول: هذا عدد وَتر، وهذا عدد شفع، وهؤلاء وَتر، وهؤلاء شفع، يعني: لا يختص بالآية، فهي لغة بالفتح.

والقراءة الأخرى، وهي أيضا: لغة، لكنها ليست لقريش، وإنما لتميم، وهي: بكسر الواو: وَالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ، فهي: قراءة متواترة لحمزة والكسائي، فمن قرأ بهذا أو بهذا فالأمر واسع، أي: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ أو وَالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ، فهاتان لغتان، وقراءتان متواترتان.

قال -رحمه الله: وقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [سورة الفجر:4]، قال العوفي عن ابن عباس: أي: إذا ذهب، وقالعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ حتى يذهب بعضه بعضًا، وقال مجاهد وأبو العالية وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ إذا سار.

قوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ فيه ثلاثة أقوال:

  • الأول: إذا ذهب.
  • والثاني: حتى يُذهب بعضه بعضاً.
  • والقول الثالث: إذا سار

أي: والليل إذا سار، كما يقول ابن جرير: سار فذهب، يعني: أقسم بالليل في حال سريانه، فأقسم بالفجر، وأقسم بالليل في هذه الحال؛ ولهذا بعضهم قال -وهو قول روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما: إن الفجر فُسر بالنهار، وهذا استبعده المفسرون، باعتبار أن الفجر ليس هو النهار، لكن لو أردنا أن نوجه هذا القول لو صح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- يقال: إنه قابله بالليل، فالنهار ليس الفجر فقط، وإنما عبر عن النهار بأشرف أوقاته وهو: الفجر، هذا لو أردنا أن نوجه هذا القول، لكني تركته؛ لأن المشهور والذي عليه عامة أهل العلم خلاف ذلك، وهناك أيضا رواية أخرى عن ابن عباس، وإلا فيمكن توجيهه بهذه الطريقة، لكن هذه هي القرينة على ذاك القول الذي أغفلت ذكره، وهي: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، أي: أنه قابل هذا بهذا، والله تعالى أعلم.

ونلاحظ هنا: أن هذا الفعل: يَسْرِ حذفت منه الياء، فما قال الله: والليل إذا يسري، بل حذفت في الرسم، وحذفت أيضاً في اللفظ، أي: في القراءة، فنقرأ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، وما نقرأ: يسري، فما علة ذلك؟ ولماذا حذفت هذه الياء؟

انظر إلى همم العلماء في البحث عن خبايا القرآن، وإن كان الجواب لا يخلو من إشكال -أي: فيما سأورده الآن- فالأخفش إمام في اللغة يقول: سألت المُؤرِّج عن هذه العلة: لماذا حذفت الياء؟ فماذا قال له؟ وبماذا طالبه؟

قال: لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة، انظر إلى هذا، فبعض الإخوان يستكثر إذا قيل له: تعال بعد الصلاة، في حال إذا كان عنده سؤال بعدما يجلس الواحد هنا ويجيب على جميع الأسئلة وينتهي الوقت، فإذا قيل له: انتظر، أو بعد الصلاة، أو نحو ذلك يستطيل هذا، ويستكثر، وبعض الإخوان يوافق، ولكن يأتيك قبل الأذكار، فأول ما نسلم يأتي ويسألك، فإذا قيل له: انتظر نكمل الأذكار يذهب ولا يحتمل، وهذا يقول له: حتى تبيت على بابي سنة، ونحن نعتكف عشرة أيام ونرى أنه تطاولَ الليلُ والنهار، متى تنتهي هذه العشر؟ وانظر إلى الحال ليلة العيد إذا أعلن انتهاء الشهر، كأننا ننفر من أيام منى، فالناس يسرعون إلى أمتعتهم وكأنهم سيدركون ماذا -وأنا منهم، يقول الله: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [سورة الأنبياء:37]، وتأمل هذا في ليلة العيد، وانظر كيف ينفر المعتكفون أسرع ما يكونون، تمامًا كما ينفرون من منى في اليوم الثاني عشر، فهم في غاية الإسراع.

يقول: حتى تبيت على بابي سنة كاملة، فبات على بابه سنة، يقول: بت على باب داره سنة؛ من أجل أن يحصل على هذا الجواب المبارك، هذا هو الصبر والهمم، ماذا قال له في الجواب بعد سنة؟

الجواب فيه نظر أصلاً، قال له: الليل لا يسري، الله قال: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، ولكن هو قال له: الليل لا يسري، وإنما يُسرَى فيه، فهو مصروف عن جهته، يعني: أضيف الفعل إليه، يقول: وكل ما صرفتَه عن جهته بخستَه من إعرابه، فسقطت الياء؛ لأنه مصروف عن وجهه.

هذا جواب غلّطه فيه العلماء من أهل اللغة ومن المفسرين، وقالوا: هذا كلام غير مقبول، وغير صحيح، وليس كل ما صرف عن وجهه بخس من إعرابه، وذكروا أمثلة لذلك مما صرف عن وجهه ولم يبخس من إعرابه، وردوا عليه، وقالوا: الأصل هنا إثبات الياء؛ لأنه لا يوجد موجب لحذفها، وهي حرف علة، وحرف العلة يحذف في حالة الجزم إذا كان الفعل مجزومًا، وهنا لا يوجد، فالأصل إثبات الياء، فهي لام الفعل المضارع المرفوع: يسري، وهذا ليس بمجزوم، فلم تحذف لعلة، وهي: الجزم.

إذًا قالوا: هذا لاتباع رسم المصحف، ومراعاة رءوس الآيات فقط، وإلا فالفعل مرفوع، فقال: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ؛ اتباعا للرسم، ومراعاة لرءوس الآيات: وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۝ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [سورة الفجر:1- 4] فلو قيل: والليل إذا يسري لصار ذلك مباينًا لرءوس الآيات، غير موافق لها.

على كل حال إنما ذكرت قول المؤرج لمّا سأله الأخفش؛ للعبرة، ففيه فائدة فيما يتصل بالهمة في طلب العلم.

وقوله تعالى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [سورة الفجر:5] أي: لذي عقل ولبٍّ وحِجا ودين، وإنما سمي العقل حجرًا؛ لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت؛ لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي، ومنه حجر اليمامة، وحَجَر الحاكمُ على فلان إذا منعه التصرف.

حجر البيت معروف أنه يمنع الطائف؛ لأن بعضه جزء من الكعبة، فلا يصح الطواف دونه، وأما حجر اليمامة فاليمامة معروفة، وهي: التي في نجد، وحجر اليمامة ناحية هناك، وبعضهم يقول: إنها تضم قرى، بعضهم يقول: خمس قرى أو نحو ذلك.

على كل حال هي المنطقة القريبة من الرياض عند الخرج، فهناك موضع اليمامة، وتجدونهم في كتب اللغة ومعاجم البلدان يذكرون هذا، مع أنك إذا نظرت إلى ضبطهم للفظة تجدهم يضبطونها -كما سبق: حَجَر اليمامة، حِجْر اليمامة، حَجْر اليمامة، من غير ضبط بالحروف، وإنما فقط بالحركات، والحركات هذه يحصل فيها الخطأ كثيرًا.

ومن لطائف الحموي صاحب معجم البلدان المتوفى سنة ستمائة وست وعشرين هجرية أنه ذكر الوشم أيضاً، وذكر القرى التابعة للوشم، وذكر منها أشيقر وشقراء، وهذا قبل عام ستمائة وستة وعشرين، وذكر ثرمداء، هذه البلاد المعروفة اليوم، لكن ما ذكر القصب، ربما ذكرها في موضع آخر، فهذه بلاد تاريخية قديمة جدًّا، سبحان الله! مع أنها صغيرة، إلا أنها لا زالت باقية، وبنفس الأسماء، فهي كانت إلى عهد قريب يعني: قبل أقل من خمسين سنة، أو خمسين سنة، أو نحو ذلك كانت قرى صغيرة جدًّا، وأهلها إذا خرجوا منها وذهبوا إلى الناحية القريبة القديمة منها يتعجبون: كيف كانوا يعيشون فيها، وما هذه التي كانوا يسكنونها، وكيف كانوا فيها قبل أن يتفرقوا منها، وتجمعهم مع صغرها!، ومع ذلك بقيت هذه المدد الطويلة.

وهكذا إذا قرأت في كتب البلدان تجد بلادًا تظن أنها طارئة جديدة من صغرها، وهي في الواقع قديمة جدًّا، وتجد كثيرًا من البلدان التي كانت مشتهرة، وتسمى هناك، ويقولون: هي معروفة، ولا يُحتاج أن يؤكد على موضعها تمامًا بدقة، تجدها مندثرة لا تعرف اليوم، فالله -تبارك وتعالى- يقضي ما يشاء، ويحكم ما يريد، وقد رأيت في بعض النواحي قرى وأشياء مندفنة لا أعرف كيف استخرجوها وعرفوها، فسألتهم، فقالوا: عرفوا بصور جوية أن تحت الأرض هذه الأشياء كلها، أشياء من قصور وأماكن مثل المَسبح وغيرها، مبنية من حجر وكاملة، فحفروا عنها فخرجت من تحت الأرض أي: من تحت التراب، وليس هناك كثبان رمال، ولا زحف رمال، ولا شيء، أرض أشبه بالأرض الصخرية، ومع ذلك مندثرة تحتها، وصارت ظاهرة يأتيها الناس ويدخلونها ويرونها.

والفِرق، عندما تقرأ في تاريخ الفرق تجد أشياء عجيبة، فبعض الفرق في أماكنها منذ ذلك الحين، فهي في نفس الأماكن إلى الآن، وهي منذ أكثر من ألف سنة، وبعضها أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، وهي: بنفس المكان، وبعض الفرق أخذت أماكن كثيرة، وقد لا يحسن ذكر ذلك، فأخذت أماكن لا نتوقعها، كالرافضة مثلاً، فلو نظرت في تاريخ الفرق وأماكن وجودها قديمًا في بعض كتب التواريخ وما أخذوا من أماكن قد لا تخطر على بال، ثم زالت آثارهم ولم يبق لهم فيها أثر، دعك من العبيديين، وما أخذوا من مصر، ومن بلاد المغرب، دعك منها لا أتحدث عن هذا، فهذا مشهور في التاريخ، هناك أشياء غير مشهورة، وأماكن في غاية الأهمية، والآن لا ذكر لهم، فليس هذا هو نهاية المطاف، يعني: ما تشاهده من تحولات وتغيرات، وما إلى ذلك ليس هو نهاية المطاف.

انظر إلى هؤلاء الذين كانوا يعيشون في ذلك الوقت، وبقيت دولهم التي كانت تقوم على هذه المذاهب الفاسدة لربما أكثر من مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة انظر كيف انتهوا، لربما الذين كانوا يعيشون في ذلك الوقت يظنون أن هذا نهاية المطاف، ولكن زالوا تمامًا ولم يبق لهم أثر، قال الله: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً [سورة الرعد:17].

قال -رحمه الله: ومنه حجر اليمامة، وحَجَر الحاكمُ على فلان إذا منعه التصرف.

يعني: أن أصل هذه المادة الحاء والجيم والراء: يدل على المنع، مثلما يقال في الحاء والكاف والميم "حَكَم": تدل على المنع أيضاً.

وقوله: وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [سورة الفرقان:22]، فكل هذا من قبيل واحد، ومعنىً متقارب، وهذا القَسَم هو بأوقات العبادة، وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القُرب التي يتقرب بها إليه عبادُه المتقون المطيعون له الخائفون منه المتواضعون لديه الخاشعون لوجهه الكريم.

هذه العبارة دقيقة، يقول: "وهذا القسَم هو بأوقات العبادة"، أي: قوله تعالى: وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۝ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، فالفجر والليالي العشر والشفع والوتر عرفنا وقتها، وأما الليل ففيه: صلاة المغرب والعشاء، وفيه: قيام الليل، وهو من دلائل قدرة الله ، وعظمته، ووحدانيته.

يقول: "بأوقات العبادة، وبنفس العبادة"، يعني: حينما ذكر هذه الأوقات فإن فيها إشارة إلى العبادات التي في ضمنها، فأقسم بالليالي العشر لماذا؟ لأن فيها أعمال الحج، وهي: أفضل أيام العام، فيكون القسم بالوقت وبالعبادة نفسها، هذا كلام ابن كثير، فهو جمع بينهما، وابن القيم -رحمه الله- له كلام في هذا سيأتي، فهو تكلم على هذا، لكن بتفصيل أوضح.

على كل حال القسَم في قوله تعالى: وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۝ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ أين جوابه؟ ليس قوله: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، ليس هذا هو الجواب، ولكن بعضهم يقول: إنه مذكور، ويذكرون أشياء، وبعضهم يقول: لا جواب، وإنما كان المقصود التنويه بهذه المذكورات، وبيان شأنها، وما تضمنته من العبادات، والبعض يقول: الجواب مقدر محذوف، يعني: لتجازنَّ على أعمالكم، ونحن قلنا: إن هذه السورة تتحدث عن الجزاء، والله أعلم.

أما كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في هذا فيقول: "قوله تعالى: وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۝ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ۝ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ قيل: جوابه: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [سورة الفجر:14]، وهذا ضعيف؛ لوجهين: أحدهما: طول الكلام، والفصل بين القسم وجوابه بجمل كثيرة..."[2].

يعني: بحيث إن هذا لا يخطر على البال، يعني: في وقت القسم السامع ينتظر الجواب، فإذا طال هذا وذكر أشياء بين القسم وجواب القسم فإن ذهْن السامع لا يربط، فيكون ذلك بعيدًا.

يقول: "والثاني: قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ذُكِرَ لتقرير عقوبة الله الأمم المذكورة، وهي: عاد، وثمود وفرعون، فذكر عقوبتهم، ثم قال مقررًا ومحذرًا: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ، فلا نرى تعلقه بذلك دون القسم.."[3].

يعني: ذكر اعتراضين: الأول: طول الفصل، والثاني: أن هذا يتعلق بالأمم المكذبة، ولا يتعلق بالقسم، والآن انظر إلى هذا التفصيل فإنه تفصيل للذي ذكره ابن كثير.

يقول: "وأحسن من هذا أن يقال: إن الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالا معظمة من المناسك، وأمكنة معظمة، وهي: محلها، وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه، فإن الحج والنسك عبودية محضة لله، وذل وخضوع لعظمته، وذلك ضد ما وصف به عادًا وثمود وفرعون من العتو والتكبر والتجبر، فإن النسك يتضمن غاية الخضوع لله، وهؤلاء الأمم عتوا وتكبروا عن أمر ربهم، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ قال: ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قيل: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء[4]، فالزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهلٌ أن يقسم الرب به.

وَالْفَجْرِ إن أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمن وقت صلاة الصبح التي هي أول الصلوات، فافتتح القسم بما يتضمن أول الصلوات، وختمه بقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ المتضمن لآخر الصلوات، وإن أريد بالفجر فجر مخصوص فهو: فجر يوم النحر وليلته التي هي: ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رُؤي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها، وذلك الفجر فجر يوم النحر الذي هو أفضل الأيام عند الله، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: أفضل الأيام عند الله يوم النحر رواه أبو داود بإسناد صحيح[5]، وهو آخر أيام العشر، وهو يوم الحج الأكبر كما ثبت في صحيح البخاري وغيره[6]، وهو اليوم الذي أذَّن فيه مؤذن رسول الله ﷺ: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [سورة التوبة:3]، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان[7]، ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لا يوم عرفة، وذلك بأمر رسول الله ﷺ؛ امتثالاً وتأويلاً للقرآن.

وعلى هذا فقد تضمن القسم المناسك والصلوات، وهما المختصان بعبادة الله، والخضوع له، والتواضع لعظمته؛ ولهذا قال الخليل : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة الأنعام:162]، وقيل لخاتم الرسل ﷺ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [سورة الكوثر:2]، بخلاف حال المشركين المتكبرين الذين لا يعبدون الله وحده، بل يشركون به، ويستكبرون عن عبادته، كحال من ذكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون.

وذكر سبحانه من جملة هذه الأقسام: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ؛ إذ هذه الشعائر المعظمة منها شفع ومنها وتر في الأمكنة والأزمنة والأعمال، فالصفا والمروة شفع، والبيت وتر، والجمرات وتر، ومنى ومزدلفة شفع، وعرفة وتر.

وأما الأعمال فالطواف وتر، وركعتاه شفع، والطواف بين الصفا والمروة وتر، ورمي الجمار وتر، كل ذلك سبعٌ سبع، وهو الأصل، فإن الله وتر يحب الوتر، والصلاة منها شفع ومنها وتر، والوتر يُوتِر الشفعَ فتكون كلها وترًا، كما قال النبي ﷺ: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة، توتر لك ما قد صليت[8].

وأما الزمان فإن يوم عرفة وتر، ويوم النحر شفع، وهذا قول أكثر المفسرين، وروى مجاهد عن ابن عباس: الوتر آدم، وشُفع بزوجته حواء، وقال في رواية أخرى: الشفع آدم وحواء، والوتر الله وحده، وعنه رواية ثالثة: الشفع يوم النحر، والوتر اليوم الثالث، وقال عمران بن حصين وقتادة: الشفع والوتر هي الصلاة، وروى فيه حديثًا مرفوعًا، وقال عطية العوفي: الشفع الخلق، قال الله تعالى: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً [سورة النبأ:8]، والوتر هو الله، وهذا قول الحَكَم، قال: كل شيء شفع، والله وتر، وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد، وهذا قول مجاهد ومسروق، وقال الحسن: الشفع والوتر: العدد كله من شفع ووتر، وقال ابن زيد: الشفع والوتر: الخلق كله من شفع ووتر، وقال مقاتل: الشفع الأيام والليالي، والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو: يوم القيامة.

وذُكرت أقوال أخر هذه أصولها، ومدارها كلها على قولين:

أحدهما: أن الشفع والوتر نوعان للمخلوقات والمأمورات.

والثاني: أن الوتر: الخالق، والشفع: المخلوق، وعلى هذا القول فيكون قد جمع في القسم بين الخالق والمخلوق، فهو نظير ما تقدم في قوله: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [سورة الشمس:1]، ونظير ما ذكر في قوله: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [سورة البروج:3]، وما ذكر في قوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ۝ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ۝ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى [سورة الليل:1-3].

وقال ههنا: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، وفي سورة المدثر أقسم بالليل إذا أدبر، وفي سورة التكوير أقسم بالليل إذا عسعس، وقد فسر بأقبل، وفسر بأدبر، فإن كان المراد إقباله فقد أقسم بأحوال الليل الثلاثة، وهي: حالة إقباله، وحالة امتداده وسريانه، وحالة إدباره، وهي من آياته الدالة عليه سبحانه.

وعرّف الفجر باللام إذ كل أحد يعرفه، ونكّر الليالي العشر؛ لأنها إنما تعرف بالعلم، وأيضا فإن التنكير تعظيم لها، فإن التنكير يكون للتعظيم، وفي تعريف الفجر ما يدل على شهرته، وأنه الفجر الذي يعرفه كل أحد، ولا يجهله.

فلمّا تضمن هذا القسم ما جاء به إبراهيم ومحمد -صلى الله عليهما وسلم- كان في ذلك ما دل على المقسم عليه؛ ولهذا اعتبر القسم بقوله تعالى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، فإن عظمة هذا المقسم به يُعرف بالنبوة، وذلك يحتاج إلى حجر يحجر صاحبه عن الغفلة واتباع الهوى، ويحمله على اتباع الرسل؛ لئلا يصيبه ما أصاب من كذب الرسل كعاد وفرعون وثمود.."[9].

هنا في الجملة التي قبل قليل تكلم عن: لماذا عرّف الفجر في قوله: وَالْفَجْرِ، ونكّر الليالي العشر في قوله: وَلَيَالٍ عَشْرٍ؟ قال: الفجر مشهور معروف معهود لهم، والليالي العشر نكرها للتعظيم، ولا يعرفها كل أحد، فقيدها بهذه العشر.

وهنا أيضًا ذكر ما تضمنه هذا القسم مما جاء به محمد ﷺ وقبله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- من مضمون القسم، ولماذا قال بعده: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ.

والآن سيتحدث عن مضمون السورة في هذه الجملة الآتية، أي: عن ماذا تتحدث هذه السورة.

يقول: "وتضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانه وماله، وهم هؤلاء الأمم الثلاث، فقوم عاد اغتروا بقوتهم، وثمود اغتروا بجنانهم وعيونهم وزروعهم وبساتينهم، وقوم فرعون اغتروا بالمال والرياسة، فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله علينا.."[10].

فابن القيم -رحمه الله- يذهب إلى أن الفجر مطلق، والليالي العشر: عشر ذي الحجة، وأن الشفع والوتر عام، وأن الذي ذكر إنما هو من قبيل التمثيل.

قال ابن كثير -رحمه الله: ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [سورة الفجر: 6]، وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين خارجين عن طاعته مكذبين لرسله جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرًا، فقال: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ [سورة الفجر: 6، 7]، وهؤلاء عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق، وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هودًا فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم، وأهلكهم بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ۝ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ۝ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [سورة الحاقة:6- 8]، وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع؛ ليعتبر بمصرعهم المؤمنون.

فقوله تعالى: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ عطف بيان، زيادة تعريف بهم.

هنا ابن كثير يقول: إن عادًا هذه في قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ هي: عاد الأولى، وذكر نسبهم هنا بقوله: وهم أولاد عاد بن إرم، فبينهم وبين نوح ﷺ ثلاثة آباء، أي: أن العهد قريب، والمؤرخون والمفسرون والعلماء مختلفون: هل يوجد عاد الأولى، وعاد الثانية، أو أن عادًا واحدة؟

ستجدون الكلام على هذا في كتب التفسير عند قوله -تبارك وتعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى [سورة النجم:50]، فبعضهم يقول: "عاداً الأولى" هي: عاد إرم هذه، وأن هناك عادًا الثانية، مع أن الآية لا تقتضي ذلك بالضرورة، أي: لا تقتضي وجود ثانية، فمعنى قوله: عَادًا الْأُولَى [سورة النجم:50] يحتمل أن يكون المعنى: القديمة، وهذا الخلاف موجود أيضاً في قوله -تبارك وتعالى: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [سورة الأحزاب:33]، يعني: هل يوجد جاهلية أولى، وجاهلية ثانية؟

فتجد أقوال المفسرين مختلفة بناء على ذلك، يعني: بعضهم يقول: الجاهلية الأولى هي: التي كانت في زمن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام، الذين بعث فيهم إبراهيم ﷺ، والجاهلية الثانية هي: التي كانت في زمن النبي ﷺ، الذين بعث فيهم، وبعضهم يقول غير ذلك، كل هذا بناءً على أساس أن هناك جاهلية أولى وجاهلية ثانية، ولكن على القول الآخر وهو: أن الجاهلية الأولى يعني: المتقدمة، وأن عادًا الأولى يعني: المتقدمة، أي: السابقة القديمة، فلا إشكال، ولا خلاف، والمؤرخون يقولون: إن عاداً بادوا وانقرضوا؛ لأن الله عذبهم وعاقبهم وأهلكهم عن آخرهم.

وقوله: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ يقول: "عطف بيان، زيادة تعريف بهم".

وقوله هنا: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، على قراءة الجمهور: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ بالتنوين، إِرَمَ بالفتح، فيكون "إرم" عطف بيان، كما قال ابن كثير -رحمه الله: "عطف بيان، زيادة تعريف بهم"، يقصد: أن قوله: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ هي: عاد، وعاد عرفنا أنها قبيلة، لكن قوله: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ هل إرم هذه هي نفس عاد، أو هي قبيلة من عاد، أو أنها مدينة لهم يقال لها: إرم، أو أن معنى إرم شيء آخر مثل: البالية، أو نحو ذلك؟

هذه اختلفت فيها أقوال المفسرين، لكن المشهور: أن ذلك قبيلٌ من الناس، والقول الآخر: أنها البلدة التي كانوا فيها، فعاد هذا اسم لأبيهم، كما ذكر هنا ابن كثير: عاد بن إرم، والله قال: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ؛ لأن هذا سيترتب عليه: ما معنى: ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ؟ هل هي مدينة؟ هل هي خيام؟ هل هي قبيلة أجسامهم قوية طويلة ممتدة لهم قامات عظيمة؟

فالآن عاد اسم الأب، وأما إرم فبعضهم يقول: إرم هي: القبيلة، فقوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ يعني: قبيلة عاد، فيكون هذا بدلا منه، يعني: إرم بدل من عاد، ويحتمل أن يكون بدل كل من كل، أي: أنها هي يقال لها: إرم، أي: القبيلة هذه -قبيلة عاد- هي: قبيلة إرم، أو أن إرمَ هي قبيلة من عاد، ليس كل عاد يقال لهم ذلك، وإنما هي قبيلة من قبائل عاد، وهي التي أهلكت، وهناك من يقول: عاد هو الأب، وإرم هي القبيلة، وبعضهم يقول: لا، ولكن عاد هي القبيلة، وإرم هي جزء وفرع من القبيلة، وهو: عطف بيان أو بدل من عاد؛ للدلالة على أنها عاد الأولى، وليست عادًا الأخرى.

وقوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ يعني: أهل عاد، أو أهل إرم، أو سبط إرم الذي هو أيضاً جد، فهو أبو عاد؛ لأنه عاد بن إرم، وبعضهم يقول: عاد بن عوص بن إرم، وهذه الأسماء إذا رجعت لكتب التاريخ تجد أنها ليست محل اتفاق في ترتيبها، وفي ضبطها أيضاً، ليس الضبط بالحركات فقط بل حتى الحروف.

والذي رجحه ابن جرير -رحمه الله- وهو اختيار قتادة: أن إرمَ قبيلة من عاد، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ، وابن جرير يقول: إن هذه الإضافة توضح وتقيد "عاد إرم"، كما سبق حينما يقال: حجر اليمامة، سواء كان ذلك في المواضع، أو كان في الأسماء والقبائل، أي: حتى تميز قبيلة من قبيلة، وهنا قال: عاد إرم، ويحتج ابن جرير لهذا بتفاصيل ذكرها في تفسيره، وعلى هذا القول هما عادان: الأولى هي: إرم التي أهلكها الله ، وهنا عطف بيان أو بدل، ولا يقال: لماذا لم يأتِ مجرورًا؟ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، فقال: إرم بالفتح، وما قال: إرمِ بالكسر؛ لأنه لا تتأتى الكسرة هنا.

وقوله تعالى: ذَاتِ الْعِمَادِ؛ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشَّعْر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة، وأقواهم بطشًا؛ ولهذا ذكّرهم هود بتلك النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة الأعراف:69]، وقال تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [سورة فصلت:15]، وقال هاهنا: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم؛ لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم.

قال مجاهد: إرم: أمة قديمة، يعني: عادًا الأولى، وقال قتادة بن دعامة والسدي: إن إرمَ بيت مملكة عاد، وهذا قول حسن جيد وقوي.

وقوله تعالى: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ [سورة الفجر: 8]، أعاد ابن زيد الضمير على العماد؛ لارتفاعها، وقال: بنوا عُمدًا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد، وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني: في زمانهم، وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه ضعيف؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: لم يخلق مثلها في البلاد.

الذي مشى عليه ابن كثير -رحمه الله- هنا: أن إرمَ هي: القبيلة، وهذه القبيلة هي: عاد الأولى، ومن ثَمَّ فإن قوله: ذَاتِ الْعِمَادِ قال: "لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعْر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وكانوا أشد الناس في زمانهم خلقة، وأقواهم بطشًا"، يعني: أنها ليست اسمًا للمدينة، وإنما اسم للقبيلة التي عرفت بهذا حيث ينتجعون المطر، ويترحلون ويتنقلون يطلبون الكلأ، فكانت لهم عمد رفيعة طويلة لهذه الخيام الكبيرة.

هذا الذي مشى عليه ابن كثير، وذكره جماعة من المفسرين: أن إرم ذات العماد يعني: التي عرفت ببيوت الشعر ذات العماد، أو بالخيام ذات العماد الرفيعة، إذًا هي ليست اسمًا للمدينة، هذا الذي مشى عليه ابن كثير، وذكر دلائل قوتهم من القرآن، ثم بعد ذلك ما نقله عن قتادة والسدي: من أن إرمَ بيت مملكة عاد، قال: "وهذا قول حسن جيد وقوي"، فهو استحسن هذا القول وقواه، لكن الذي مشى عليه الأول، يعني: كأنه يقول: هذا له وجه قوي، لكنه ليس هو اختياره، إذا كان في التفسير الأصل كما عندنا في المختصر، فيكون اختيار ابن كثير إذًا هو القبيلة، يعني: فيكون الكلام كله على القبيلة وليست مدينة عاد.

وبعضهم يقول: ذَاتِ الْعِمَادِ يعني: ذات القوة والشدة، مأخوذة من قوة الأعمدة، يعني: إرم القبيلة هذه ذات العماد، أي: ذات القوة والشدة، وهذا مروي عن الضحاك -رحمه الله، لكن هذا القول الذي مشى عليه ابن كثير من أنهم أصحاب عمد سيارة يترحلون إلى آخره هذا هو الذي اختاره ابن جرير، وقال به جماعة من السلف، كقتادة ومجاهد، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، يعني: كانت لهم مساكن يرجعون إليها كما هي حال كثير من الناس ممن يخرجون إلى البادية وقت ظهور الربيع والنبات، فإذا هاج النبات وصار يابسًا رجعوا، فكانوا أهل عمد يتنقلون يطلبون الكلأ.

وبعضهم كمقاتل يقول: ذات العماد يعني: قاماتهم طويلة جدًّا، فيكون هذا صفة لهم، تعود إلى ذواتهم وأجسامهم وتركيبهم، يقول: كان طول الرجل منهم اثني عشر ذراعًا، يعني: ستة أمتار، والآيات تدل على طولهم قال تعالى: وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً [سورة الأعراف:69]، وهم اغتروا وقالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [سورة فصلت:15]. 

ويوجد في بعض المقاطع صور في حفريات وأنا لا أثق بالصور التي توجد؛ لأنها يعبث بها، وترى الشيء الصغير كبيرًا، وترى الشيء الكبير صغيرًا، فيعبث بها، لكن إن صحت هذه الصور التي رأيناها فإننا رأينا الجثة ممتدة تصل إلى أكثر من ستة أمتار، يعني: الجثث التي رأيناها تصل إلى أكثر من ستة أمتار، أو اثني عشر مترًا أو أكثر، فتجد الناس يتحلقون حوله وجاءوا بصور وهو محفور حينما استخرجوه ووقفوا عليه في الحفر -في القبر، وجاءوا بالصور بعدما استخرجوه ووضعوه على مثل الطاولة الطويلة جدًّا، والناس حوله أمثال النمل، وجاءوا به وقد أقاموه ووضعوا سُلمًا بجانبه فتجد الرجل كأنه نملة تصعد بجواره، فإن صح هذا -والله أعلم- فقد يكونون هؤلاء، فهم وجودهم مصادفة، شركة أرامكو كانوا يحفرون ووجدوهم في الربع الخالي، هكذا قالوا، فإن كان كذلك فهذا هو المشهور في منازل عاد.

قال تعالى: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ [سورة الأحقاف:21]، والأحقاف على المشهور: أنها حبال الرمل، هذه الموجودة في الربع الخالي، وهذا يدل على أن المعالم ما تغيرت خلافًا لما يقوله أهل علوم الأرض، حيث يقولون: هذه كلها تتغير، وتغيرت، يقال: ليس بهذه المدة، انظر من متى قوم عاد ومعالمها باقية، فهذه تعتبر قريبة نسبيًّا، بالنسبة لتغير معالم الأرض، فهذه الأحقاف موجودة من ذلك الحين، وهي: حبال الرمل، وفي هذه المنطقة، محصورة في الربع الخالي، فلم تنتقل إلى مكان آخر.

والمشهور عند المؤرخين والمفسرين: أن عادًا كانت منازلهم بالأحقاف، كما قال الله وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ، لكن اختلفوا ما معنى الأحقاف؟ والمشهور: أنها حبال الرمل، في هذه المنطقة التي هي الآن الربع الخالي، وأما ما يذكر من أن هذا قبر هود -عليه الصلاة والسلام- في أكثر من موضع، ومنها في حضرموت، فإن هذا لا يصح، ولا يثبت شيء من قبور الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- أبداً إلا قبر محمد ﷺ، فكل ما ينسب إلى الأنبياء فهذا غير ثابت من مواضع مدافنهم.

فعلى قول مقاتل: إنهم طوال، يقال: رجل طويل العماد، يعني: طويل القامة، وهكذا أيضًا قال أبو عبيدة معمر بن المثنى، قال: رجل معمَّد أي: طويل، وقامته طويلة، فتكون إرم قبيلة، وصفهم أنهم طوال الأجسام، وجاء عن مجاهد وقتادة: أنهم كانوا عمادًا لقومهم، يقال: فلان عميد الأسرة، وفلان عميد آل فلان، وفلان عميد الكلية، ونحو هذا، فيكون بمعنى: أنه مثل السيد والرئيس ونحو ذلك، وهذا معنى العميد، يعني: كبير هؤلاء، وجاء عن ابن زيد ما يدل على أنها المدينة، يقول: ذات العماد، يعني: أنها مشيدة قوية البنيان محكمة، هذا قول لابن زيد، ولا شك أن الأبنية المحكمة يقال لها ذلك، وهذا موجود في كتب اللغة، فالعماد تقال للأبنية القوية الرفيعة المشيدة، كما ذكره صاحب الصحاح، وتذكّر وتؤنث، يقال: هذا بناء ذو عماد، وأبنية ذات عماد؛ ولهذا فسرها بعضهم بالمدينة، مدينة هؤلاء أنها كانت بهذه الصفة.

وأما ما يذكر من أنها من ذهب وأشياء من هذا القبيل فهذا كله من الإسرائيليات، لا تثبت إطلاقًا، ويبعد غاية البعد أن تكون كذلك، بل هي من المبالغات، أنها مبنية بلبن من ذهب إلى آخره، ويوجد صور الآن أن هناك مدينة، أو قصورًا مستخرجة من تحت الرمال في الربع الخالي عجيبة جدًّا هائلة، لكن هل هذه هي أبنية عاد؟

الناس ينشرونها على أنها إرم، مع أن إرمَ المشهور أنها قبيلة، وأن ذات العماد هي الخيام، أو أجسامهم الممتدة، إلى غير ذلك، وليست هي المدينة إلا على قول، وعلى هذا القول هل هي هذه؟ نقول: لا نستطيع أن نجزم بهذا إطلاقًا، فالله أعلم، ولكن لا شك أن أجسامهم ضخمة، قال الله: وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً [سورة الأعراف:69]، مع أن القرظي يقول: هي في الإسكندرية، فعاد ما الذي ذهب بهم للإسكندرية؟ هذا بعيد جدًّا، وهكذا قول المقبري من أنها دمشق، فهذا يقول: الإسكندرية، وهذا يقول: دمشق، وهذا أيضاً بعيد غاية البعد.

أما من قال: إنها في الأحقاف، وإنهم بنوها هناك، وإنها مدينة فهذا قال به ابن زيد، لكن في مثل هذا لا يمكن الجزم بأن إرم هي: اسم المدينة، فأنا أقول: هذا واحد من الأقوال، والأشهر -على اختلاف في العبارات وهو قول الجمهور: أنها ليست اسم المدينة، وإنما هي القبيلة، أو جزء من القبيلة، أو أن المقصود أنهم أقوياء وأصحاب أجسام ممتدة إلى آخره، أو ذات العماد: أعمدة الخيام التي كانوا يتنقلون ويترحلون بها.

يعني: إذا جمعت هذه الأقاويل جميعًا يبقى قول من قال: إرم هي المدينة، وهذا خلاف قول الجمهور، فلا يكاد أن يقول به قائل إلا ما جاء عن ابن زيد، أو نحو ذلك، فحينما يُجعل هذا هو القول المعتد، ويُبنى عليه أشياء، وأن هذه هي منازلهم، وهذه المدينة إذا كانت بهذه الصفة، أو نحو ذلك، هذا فيه مصادرة لأقوال أهل العلم في المسألة، ولا يحسن ذلك، والله أعلم.

طبعًا أصحاب التفسير العلمي لهم في هذا أشياء، ويربطونه بأمور، يقولون الآن: إرم هذه المدينة التي هي مبنية من لبنة من ذهب ولبنة من فضة، يقال لهم: من قال لكم ذلك؟

فيقولون: أكيد أنها ما كانت في صحراء مثل الربع الخالي، يا أخي، الله يقول: إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ، والأحقاف: حبال الرمل، يقول: ليس معقولا أنها في صحراء، وهذا يؤكد قول النبي ﷺ: لن تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا[11].

نقول له: يا أخي، كل الكلام الذي تقوله يحتاج إلى مناقشة، حتى قوله: حتى تعود كلمة تعود في اللغة من الأضداد، لها معنيان: تعود بمعنى: ترجع إلى حالها الأولى، مثل: حتى يعود اللبن في الضرع، وتعود بمعنى: تصير، عاد الصبي شيخًا، ما كان من قبل ذلك شيخًا، ولكن المعنى: يصير شيخًا، فهنا قوله: حتى تعود جزيرة العرب.. هل كانت جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا قبل ذلك؟

نقول: هذا احتمال، على أحد المعنيين في الحديث، احتمال، ولا نستطيع أن نجزم، فيُبنى على هذا أشياء، واستنتاجات، ولوازم، كيف مدينة من لبن ذهب وفضة وكذا وتكون في صحراء قاحلة، وفي صحراء الربع الخالي، في هذه المنطقة القاحلة التي لا يمكن العيش فيها؟ أكيد كانت هذه المنطقة كلها مروجًا وأنهارًا، نقول: أول شيء أثبِت الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، فكل هذا مبني على أمور ليست ثابتة، ويطرح هذا بقوة، وبثقة كاملة، والكلام من أصله ليس بثابت، وتجد من الحضور من يحصل عندهم نشوة، ينتشون بمثل هذا الكلام ويقولون: هذا إعجاز.

  1. إشارة إلى الحديث المتقدم -في الدرس السابق- الذي رواه الإمام أحمد في المسند برقم (14511): عن جابر ، عن النبي ﷺ قال: إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر، وقال عقبه الحافظ ابن كثير -رحمه الله: "ورواه النسائي، وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم، وعندي أن المتن في رفعه نكارة"، وقال محققو المسند: "هذا إسناد لا بأس برجاله، وأبو الزبير لم يصرح بسماعه من جابر"، والنسائي في الكبرى، كتاب التفسير، باب سورة الفجر، رقم: (11607)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (8/ 408)، رقم: (3938)، وقال: "منكر، وهذا إسناد رجاله ثقات؛ إلا أنه معلول بعنعنة أبي الزبير؛ فإنه مدلس".
  2. التبيان في أقسام القرآن (ص:27، 28).
  3. المصدر السابق (ص:28).
  4. أخرجه البخاري، أبواب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، رقم: (969).
  5. أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ، رقم: (1765)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 242)، رقم: (1064).
  6. أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، رقم: (1742).
  7. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة التوبة:4]، رقم: (4657)، ومسلم، كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وبيان يوم الحج الأكبر، رقم: (1347).
  8. أخرجه البخاري، أبواب الوتر، باب ما جاء في الوتر، رقم: (990)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل، رقم: (749).
  9. التبيان في أقسام القرآن (ص: 28- 32).
  10. المصدر السابق (ص: 33).
  11. أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها، رقم: (157).

مواد ذات صلة