تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 20 / محرّم / 1441 - 19 / سبتمبر 2019
[84] قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ..}
تاريخ النشر: ٢٧ / ذو الحجة / ١٤٣٦
التحميل: 1169
مرات الإستماع: 1688

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

[84] قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ..

للشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول الله - تبارك وتعالى - في هذه السورة الكريمة سورة البقرة: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 114].

وَمَنْ أَظْلَمُ أي: لا أحد أظلم، فهذا استفهام مضمن معنى النفي، لا أحد أظلم من الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، منعوا ذكر الله في المساجد من إقام الصلاة وتلاوة القرآن وما إلى ذلك مما يدخل في الذكر، مجالس الذكر بأنواعها، وجدوا في تخريبها بالهدم أو الإغلاق أو بمنع المصلين من دخولها، أولئك الذين يفعلون هذا ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا على خوف ووجل من العقوبة، لهم بذلك خزي في الدنيا وصغار وفضيحة، ولهم في الآخرة عذاب عظيم شديد.

قوله - تبارك وتعالى -: وَمَنْ أَظْلَمُ يعني: لا أحد أظلم، كما عرفنا، وقد أوردنا سؤالاً في هذا ونحوه في بعض المناسبات، وهو أن الله - تبارك وتعالى - كما قال هنا: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يعني لا أحد أظلم من هذا المانع لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وأظلم هذه أفعل تفعيل يعني لا أحد أكثر ظلمًا منه، وفي موضع آخر يقول الله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا [السجدة: 22] فهذا لا أحد أظلم ممن ذكر بآيات الله ثم حصل له الإعراض عنها.

وفي موضع ثالث: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ [الصف: 7] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأنعام: 21] فهذا لا أحد أظلم منه، فهذه الآيات يرد فيها سؤال معروف: إذا كان الله - تبارك وتعالى - يقول: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، وفي موضع: ممن ذكر بآياته وأعرض عنها، وفي موضع ثالث: مما افترى عليه كذبًا، والعلماء يجيبون عن هذا بجوابين:

الأول: أن تختص كل آية ببابها، يعني لا يوجد تعارض بين آيات القرآن، ففي المانعين: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وفي المعرضين: لا أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها، وفي المفترين: لا أحد أظلم ممنى افترى على الله كذبًا، هذا الجواب الأول، كل واحدة في باب معين.

وبعض أهل العلم يجيبون بجواب آخر وهو جواب أيضًا وجيه، وهو أن يقال: بأن أفعل التفضيل لا تمنع التساوي ولكنها تمنع الزيادة، أن يزيد أحد عليه، فهؤلاء كلهم قد بلغوا في الظلم غايته، فإذا قال: لا أحد أظلم ممن فعل كذا، يمكن أن يقال في مناسبة أخرى: ولا أحد أظلم ممن فعل كذا في قضية أخرى، فيكون كل هؤلاء قد بلغوا الغاية في الظلم، فأفعل لا تمنع التساوي ولكنها تمنع أن يزيد أحد هؤلاء على الآخر، فيمكن أن تقول في مناسبة: فلان أشجع الناس، وفي مناسبة أخرى تقول عن شخص آخر: فلان أشجع الناس، ليس هذا بتناقض أن كل واحد من هؤلاء قد بلغ في هذا الوصف غايته.

كذلك يمكن أن تقول: فلان أكرم من رأيت، وفي مناسبة تقول عن شخص آخر: فلان أكرم من لقيت أو من رأيت، ولا يكون تناقضًا، فيكون ذلك باعتبار أن كل واحد منهما قد بلغ في الكرم الغاية، هذا جوابان.

ويؤخذ من قوله - تبارك وتعالى -: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فكل من وضع شيئًا في غير موضعه فقد ظلم، فالمساجد إنما عمرت لإقامة ذكر الله - تبارك وتعالى - فإذا منعت من هذا المقصود من عمارتها فإن ذلك يكون في غاية الظلم، هذا بالإضافة إلى أن ذلك المنع هو منع لطاعة الله وعبادته والتقرب إليه، فإذا منع حقه - تبارك وتعالى - من العبادة التي خير مواضعها المساجد، كما قال النبي ﷺ : ((أحب البقاع إلى الله مساجدها[1] هذه المساجد هي أفضل البقاع وأحب البقاع إلى الله - تبارك وتعالى - ولما ذكر الله في سورة النور نوره وهداه: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [النور: 35] إلى أن قال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور: 36] يعني مواضع هذا الهدى ومظانه، ومحاله هي المساجد، لا الأسواق، والطرقات.

ويؤخذ من قوله: أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أن المشروع في الذكر ذكر الله - تبارك وتعالى - أن يكون باللسان باسمه - تبارك وتعالى - تقول: سبحان الله، والحمد لله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: 1] سبحه ذاكرًا اسمه، أما الذكر كما يفعل بعض الصوفية بالضمير "هُو" مثلاً يرددونها "هو"، يقولون: "هو"، يرددون هذا ويقولون: إن هذا أفضل الذكر، فهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة، وفعل السلف الصالح وإنما يذكر - تبارك وتعالى - بذكر أسمائه لا بذكر الضمير، فتقول: سبحان الله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: 1] سبحه ذاكرًا اسمه.

ويؤخذ من هذه أيضًا الاستبعاد: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة: 114] هذا يدل على استبعاد مثل هذا الصنيع مع الإنكار، ويؤخذ من إضافة المساجد إلى الله مَسَاجِدَ اللَّهِ يؤخذ منه شرف هذه المساجد، منزلة هذه المساجد أضافها إليه - تبارك وتعالى - فمن ثم فهي جديرة بالتطهير والتعظيم فلا ترفع فيها الأصوات ولا يكون فيها الصخب، ولا يكون فيها البيع والشراء، ولا يكون فيها التدنيس بأي لون من ألوان التدنيس: التدنيس الحسي أو التدنيس المعنوي.

ومن التدنيس المعنوي أن توضع فيها القبور، قبور الموتى، فإن هذا لا يجوز وهو من ذرائع الشرك، من التدنيس المعنوي أن يدعا فيها غير الله أن يدعا غير الله وأن يكون الشرك بالله - تبارك وتعالى - في المساجد، فهذا من أعظم الإثم والإجرام، فهو بخلاف ما بنيت له المساجد وما وضعت له هذه المساجد، المساجد بنيت لتعظيم الله وإقامة ذكره وتوحيده، فإذا وضعت لإقامة الشرك فهذا خلاف مقصود الشارع، ويكون ذلك من تدنيسها.

هذا بالإضافة إلى أنه يؤخذ من هذا الموضع مَسَاجِدَ اللَّهِ استواء الناس في الحق فيها، هذه المساجد مساجد الله - تبارك وتعالى - لا يقول أحد: أنا أحق بهذا المسجد منك، الحق فيه يستوي بين جميع الناس، فهذه بيوت الله ومن ثم فهذه المساجد التي هي بيوت الله وهي وقف لهذا الغرض، لا يصح لأحد أن يتحجر فيها موضعًا، يتحجر فيها موضعًا كأن يضع له سجادة دائمًا، كل من جاء تحاشا هذا المكان، أو يضع كرسيًا دائمًا في مكان معين، يتحجر هذا الموضع، لا يجوز، هذه مساجد الله، من سبق إلى شيء فهو أحق به، هذه المواضع، لا يجوز له أن يتحجر كرسيًا من كراسي المسجد، يعني فرق لما يكون جاء بكرسي من بيته، وكذلك المصاحف لا يجوز له أن يتحجر مصحفًا منها إلا أن يكون قد جاء به يملكه، فبعض الناس قد يأخذ مصحفًا يقرأ به لا يريد أن يغير أحد الموضع الذي وصل إليه فيضع عليه خرقة، ويضع المصحف في غلاف، أو يربط عليه رباط أو نحو ذلك؛ لئلا يُقرأ فيه، فهذا لا يجوز، هذا نوع من الغصب، ومثل هذا يقع لبعض الناس لربما الصف الأول أو كثير أو من وراء الإمام أو نحو ذلك يتحجر، فرق بين إنسان في المسجد فذهب يتوضأ أو ذهب ليأكل أو ذهب في آخر المسجد يستريح ويرجع إلى مكانه فهذا له أن يضع شيئًا، لكن أن يذهب إلى بيته ويضع المكان هذا لصلاة الفجر، يضع السجادة، أو أن يضعها من صلاة الفجر ويرجع إلى بيته وينام لصلاة الجمعة، فيأتي قبل طلوع الخطيب على المنبر ويجلس خلف الإمام فهذا لا يسوغ بحال من الأحوال.

وقل مثل ذلك أيضًا فيما يقع من هذا القبيل في الحرم، فلربما يستأجر من يجلس في مكان يعطى مقابل أجرة من أجل أن يبقى هذا المكان محجوزًا دائمًا لزيد أو لعمرو، يعني يأتي شخص ويعطي إنسانًا أجرة ويقول له: كل يوم سأعطيك كذا، أو كل شهر سأعطيك كذا، كل يوم تأتي من بعد صلاة العصر وتضع هذا الفراش أو هذه السجاد وتجلس في هذا المكان، فإذا أتيت أنا بعد المغرب أجلس بين المغرب والعشاء أجد المكان مهيأ، والناس يأتون قبل ذلك، ويأتون في أوقات مبكرة ولا يجدون مكانًا يجلسون فيه أو لا يجدون في هذا الموضع الذي قد يقصدونه لقربه من الإمام أو نحو ذلك فلا يجدون فيه موضعًا، والسبب أن هذا قد حجزه بهذه الطريقة، وهذا حجزه وهم في بيوتهم، فهذا لا يصح، ولا يستأجر لهذا.

وكذلك أيضًا لربما جاء الإنسان وعمد إلى مكان قد وضع فيه غيره ما يدل على أنه لربما سبق إليه، وذهب يتوضأ فيأتي إنسان وينحيه ويجلس مكانه، هذا يعتبر في حكم الغصب، وتقع أشياء من هذا القبيل ومزاولات لا يتفطن لها كثير من الناس، يأتي الإنسان أحيانًا إلى الحملة في منى، منى من الحرم، وهي مناخ من سبق، فإذا جاء إلى المخيم وجد أن الناس قد سبقوه، ولم يجد فراشًا إلا قريبا من الباب فيستنكف من ذلك ويضيق به ذرعًا، ثم ينظر إلى المكان فيجد موضعًا عليه حقيبة قد سبقه إليه غيره ولكن لا يوجد فيه أحد، هذا الإنسان اطمأن ووضع حقيبته وذهب يعتمر، فيأتي ويأخذ الحقيبة ويضعها على فراشه عند الباب، ثم يأخذ حقيبته هو ويضعها في ذلك المكان الذي في موضع متوسط في هذا المخيم، هذا لا يجوز، هذه بداية غير صحيحة في الحج، هذا يعتبر من قبيل الغصب، البداية مكان مغصوب، وكثير من الناس لا يتفطن لهذا، والله يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة: 7 - 8] فهذا من المخالفات.

وكذلك هنا في قوله - تبارك وتعالى -: أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: 114] الفعل مبني للمجهول يُذْكَرَ فهذا يشمل الرجال والنساء، الكبار والصغار، فهذه المساجد مفتوحة للجميع، وهنا أيضًا يدل على كثرة الذاكرين فحذف الفاعل ما قال: أن يذكره فلان أو أن يذكره الرجال، أو أن يذكره المصلون فقط، فإن الذي يذكره المصلي في صلاته ويذكر في خارج الصلاة، فجاء بالفعل مبنيًا للمجهول.

كذلك أيضًا تقديم الجار والمجرور: أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: 114] ما قال: أن يذكر اسمه فيها، كما يكون نسق الكلام في الأصل، فالتقديم يدل أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا الكلام عن المساجد فذكر ما يتعلق بها من الضمير، ما قال: أن يذكر اسمه فيها أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: 114] وكذلك المساجد مساجد الله مذكورة في اللفظ قبل اسم الله مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ فأعاد في الضمير ما يرجع إليها إلى المساجد أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا في المساجد يعني اسْمُهُ الله مَسَاجِدَ اللَّهِ جاءت مرتبة بهذه الطريقة، فلما عاد عليها الضمير قال: فِيهَا اسْمُهُ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: 114].

وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة: 114] يعني سعى، السعي يدل على بذل جهد واجتهاد في هذا الخراب، هذا الخراب سواء كان حسيًا أو كان خرابًا معنويًا، الخراب الحسي في هدمها وتخريبها، عدم السماح بترميمها؛ من أجل أنها تتهالك مع الزمن وتندثر، والخراب المعنوي منع الذاكرين لله - تبارك وتعالى - من دخولها، ومنع المصلين، وهذا يشمل كل أنواع الذكر كما سبق، فالمساجد ينبغي أن تكون عامرة، فعمارة المساجد تشمل هذا وهذا.

منع العمارة الحسية كما يفعل اليهود، وهذه الأيام تشاهدون ماذا يجري في المسجد الأقصى، ومن قبل كذلك، يمنعون من ترميمه، يبنون الأنفاق تحته من أجل أن يبقى متهالكًا متهاويًا يترقبون سقوطه في أي لحظة، ثم بعد ذلك يمنعون من صلاة الجمعة فيه، أو من صلاة التراويح، أو من بعض الصلوات، أو يريدون أن يكون بعض الأيام لليهود وبعض الأيام للمسلمين، أو أن يكون في بعض الأوقات لليهود وبعض الأوقات للمسلمين، وهؤلاء ليس عندهم إلا التدنيس لبيوت الله - وتقدست أسماؤه - فهذا من الخراب الحسي، ومن الخراب المعنوي منع ذكر الله فيها كما في هذه الشواهد والأمثلة.

ولما قامت الثورة الشيوعية حولوا المساجد وبعض تلك المساجد لها أكثر من ثمانمائة سنة حولت إلى ملاهي ومراقص ومتاحف بما يسمى بالجمهوريات الإسلامية، منعوا الناس من الصلاة فيها، وحولوها إلى مثل هذه، وهكذا المساجد التي كانت في الأندلس لا زالت قائمة وشاهدة لكن تحولت إلى شيء آخر، تحولت إلى متاحف، تحولت إلى كنائس.

ويؤخذ من الآية إذا كان هذا الوعيد: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 114] هؤلاء الذين يخربونها الخراب المعنوي أو الحسي أن من عمر المساجد العمارة الحسية أو العمارة المعنوية أنه له في الدنيا أحسن الجزاء وفي الآخرة أحسن العاقبة لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 114] يعني العقوبة في الدنيا وفي الآخرة الذي يُخرب بيوت الله - تبارك وتعالى - ويمنع من ذكره فيها، فالذي يعمرها عمارة حسية أو يعمرها عمارة معنوية، أو يقوم بالعمارتين لا شك أن هذا له في الدنيا الجزاء المعجل الحسن، وله في الآخرة الجزاء الحسن الذي يجده عند الله - تبارك وتعالى - وقد جاء في الحديث المشهور أن: ((من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له فيه بيتًا في الجنة[2] والجزاء من جنس العمل، لما بنى بيتًا لله بنى الله له بيتًا في الجنة، وشتان بين البيت في الدنيا وبين البيت الذي يكون في الجنة.

وكذلك أيضًا ينبغي أن يكون المؤمن إن وفق لعمارة مسجد عمارة حسيًا، يعني بنى مسجدًا عمر مسجدًا أن يحرص على العمارة المعنوية، أن يكون هذا المسجد في مكان يصلي فيه كثيرون، في مكان الحاجة إليه ماسة وجود مسجد، فهي تجارة مع الله أن يجعل في هذا المسجد من حلق القرآن، مجالس الذكر والعلم وما إلى ذلك بحيث يبقى هذا المسجد عامرًا، فيأتيه من الأجر والثواب ويكون المسجد معمورًا في كل الأوقات.

وقوله - تبارك وتعالى -: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ نُكِّر الخزي هنا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ هذا للتعظيم والتهويل، يعني خزي عظيم، وهذا يدل على أن الذين يخربون بيوت الله خرابًا معنويًا أو خرابًا حسيًا متوعدون بالعقوبة العاجلة في الدنيا، هذا مما تعجل عقوبته، الخزي في الدنيا، فهؤلاء اليهود ماذا ينتظرون إلا الخزي، فإن أفعالهم تجلب الخزي مع ما يلاحقهم من لعنة الله وغضبه.

ووصفه أيضًا بعظيم وهي صيغة مبالغة، خزي وعذاب عظيم، وكذلك نكَّر العذاب هنا وهذا التنكير يدل على التعظيم والتهويل، وكذلك قدم الجار والمجرور لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ فهذا للتوكيد وبين شدة هذا العذاب.

وأيضًا يؤخذ من هذه الآية من المعاني التي أشرت إليها ما ذكره الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - يقول: "وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانًا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة: 18]"[3].

هذا وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، - والله أعلم - وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.

  1. - أخرجه ابن حبان في صحيحه، برقم (1599)، والحاكم في المستدرك، برقم (2149)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3271). 
  2.  أخرجه ابن ماجه، أبواب المساجد والجماعات، باب تشييد المساجد، برقم (738)، وأحمد في المسند، برقم (2157)، وقال محققوه: "صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف جابر الجعفي"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (6128).
  3.  تفسير السعدي (ص: 63). 

مواد ذات صلة