تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 16 / محرّم / 1441 - 15 / سبتمبر 2019
[86] قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..}
تاريخ النشر: ٢٩ / ذو الحجة / ١٤٣٦
التحميل: 1131
مرات الإستماع: 1612

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

[86] قوله تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..

للشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول الله - تبارك وتعالى - في هذه السورة الكريمة سورة البقرة: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة: 116] هذه المقالة صدرت عن اليهود: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: 30] وصدرت عن النصارى: وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: 30] وصدرت أيضًا عن المشركين فقالوا: إن الملائكة بنات الله، وقد رد القرآن عليهم ذلك: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ يعني البنات وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى [النحل: 62] قال: أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ [الصافات: 153] قال ذلك إنكارًا على مقالتهم، فهذا قاله بعض طوائف من قبائل العرب، فهذه المقالة مقالة مشتركة، وقد نزه الله - تبارك وتعالى - نفسه عن ذلك سبحانه من هذا القول الباطل ومن كل عيب ونقص، ومما يصفه به الواصفون من هؤلاء الكفار والمشركين وأهل الأهواء والبدع، فكل من في السماوات والأرض هم ملكه وعبيده، وهم جميعًا خاضعون مسخرون لتصرفه، تحت تصرفه وتدبيره، فهم ملك له.

يؤخذ من هذه الآية: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [البقرة: 116] اتخذ، فهذا لا يتأتى مع نسبة الولد إلى الله - تبارك وتعالى - فإن الاتخاذ يدل على معنى الاكتساب، وهذا ينافي الولدية، فالولدية تأتي بدون صنع ولا اكتساب، فإذا جاء الصنع جاءت العبودية: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وفي هذا هذه العبارة: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا الولد يصدق على الذكر والأنثى، فاليهود قالوا: بأن عزيرًا ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، واليهود قالوا: الملائكة بنات الله، فالولد هنا يشمل ذلك جميعًا الذكر والأنثى، فيكون نفيًا لمقالة هؤلاء جميعًا.

بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة: 116] "كل" هذه حينما تقطع عن الإضافة كما في هذا الموضوع وقد نونت كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ يصح فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، فجاء هنا مراعيًا للمعنى، فإن ذلك يدل على الجمع، فقال: قَانِتُونَ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ والقنوت بمعنى دوام الطاعة، فكل ما في هذا الكون هو مطيع لله دائم الطاعة، وكما قال الله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44] فكل شيء مسبح، وكل شيء مطيع، ويبقى هذا التمرد يصدر عن الثقلين عن الجن والإنس، أعني من كفر بالله منهم وعصاه، باقي الكائنات من الجمادات، والنباتات، والدواب، وأنواع الحيوان في البر والبحر، والطير في الهواء كل ذلك مسبح لربه وخالقه غير مستنكف عن عبادته.

ثم أيضًا جاء تأكيد الخبر هنا باسمية الجملة، وتقديم الجار والمجرور له على قَانِتُونَ للتأكيد كُلٌّ لَهُ لله دون ما سواه، فهي قانتة له وحده، فإن تقديم الجار والمجرور هنا يدل على الاختصاص والحصر فهي قانتة لربها وخالقها فهي تعرفه.

ثم قال: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: 117] الله - تبارك وتعالى -: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يعني هو الذي خلق السماوات والأرض وابتدأ خلقهما، فهو المبتدئ والمبدع لهذا الخلق، لم يُسبق إليه، لم يخلقه على نموذج أو مثال سابق.

وَإِذَا قَضَى أَمْرًا حكم به وقدره فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

يؤخذ من هذه الآية: وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بأن هذه الأمور مهما تصورنا صعوبتها وشدتها وتعقيد المشكلات والمصائب والآلام أو المطالب التي تطلبها النفوس فإن ذلك عند الله - تبارك وتعالى - يسير فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "كن" يعني ما بين تكوينه وحصوله إلا صدور هذا الأمر بـــ"كن" والفاء تدل على التعقيب المباشر فَيَكُونُ لا يحتاج إلى مقدمات وإعمال آلات ولا يحتاج إلى أعوان، ولا جهود، لو أن أكبر الخلق وأعظم الخلق من جهة الإمكانات والقدر أراد أن يبني هذا المسجد، فإنه لا يستطيع أن يبنيه في يوم وليلة، وإنما يحتاج إلى أعمال متدرجة، من أجل أن يقوم هذا البناء شيئًا فشيئًا ولا بد، مهما كانت سرعته، فإن البناء لا يستقر حينما يكون بعضه على بعض هكذا من غير روية، ولا تدريج صحيح يمكن أن يثبت عليه البناء.

هذا فضلاً عن الأعمال الأخرى التي تحتاج إلى أوقات طويلة، قضايا الأمة، مصائب الأمة، مشكلات الأمة المعقدة المزمنة، هذه عند الله - تبارك وتعالى - إذا شاء قال: "كن"، فتغيرت الحال في لحظة.

إذا أراد الله النصر والتمكين هبت رياحه بقول "كن" مباشرة، الأحزاب يحاصرون النبي ﷺ في المدينة، وقد طوقوها من النواحي التي يمكن أن يدخل منها من شمالها وغيره إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الأحزاب: 10] فلما جاء الأمر من الله بـ"كن" أرسل عليهم الريح والجنود التي لم نرها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ [الأحزاب: 9] جنود هنا يمكن أن يكون التنكير للتعظيم والتكثير، جنود كثر من قريش والأحابيش وغطفان، وغير ذلك.

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: 9] ليس بالضرورة أن تروا هؤلاء الجنود، ولكن الآثار ظاهرة بادية، فصار الواحد من هؤلاء لا يكاد أن يدرك الأخذ بزمام دابته وركوب هذه الدابة لشدة ما أصابهم من الريح التي تكفأ القدور وتطفئ النيران، وتقلع الخيام، والرعب الذي يزلزل قلوبهم، اجتمع عليهم هذا وهذا، فكان كل واحد يريد أن يدرك، ينجو برقبته بنفسه؛ لأن الله قال: "كن"، فالدعاء لا يستهان به.

فينبغي في مثل هذه الأحوال والأوقات التي تكون الأمة عالقة فيها، فيما نشاهد ونرى ويتسلط عليها الأعداء ويتكالبون من كل ناحية، هنا تأتي الحاجة الملحة للدعاء، أن يدعو الإنسان، وليس بالضرورة أن يكون هذا الدعاء بقنوت، يؤمن عليه الجموع، وليس بالضرورة أن يكون هذا الدعاء في مكان عام، وإنما أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، الدعاء والإلحاح على الله بالدعاء.

بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة: 117] الذي خلق هذه الأجرام العلوية والسفلية على ضخامتها على غير مثال سابق بهذا الإتقان الكامل منذ خلقها لم تتغير ولم تتشعب ولم تتشظ، ليس فيها فطور ولا فتور ولا ضعف ولا خلل ولا عوج، قادر على ما دون ذلك، قادر على هؤلاء الهباء في الكون من المخاليق الضعفاء الذين يمكن أن يذهبوا بريح أو ماء بالهواء والماء، ألطف الأشياء تجعلهم خبرًا بعد عين، فكيف بما وراء ذلك.

الأمور حينما تتأزم يكون الإنسان في حال من الكرب والشدة في مرض يعانيه، أو ضائقة يمر بها، لا تبتئس فما تطلبه وما تحتاج إليه، وطِبُ ما أنت فيه بيد الواحد القهار الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن، فيكون، يجتمع الأطباء ويبذلون الجهود ويعجزون، وقد يتحيرون في العلة، ولكن الله يعلمها وقادر على علاجها ما ظهر من العلل وما خفي، قد تكون هذه العلة من تسلط الشياطين والجن والسحرة وما إلى ذلك مما لا يصل إليه الأطباء، وتبقى أحوال الإنسان مضطربة، ويبقى في شدة وعناء، كل ذلك يرفعه الله بأقل من اللحظة، فتوجه إليه، وأقبل عليه، وتب إليه، وأكثر من الاستغفار والضراعة، فإنه هو الذي يملك كل شيء، ويحول حال الإنسان من الفقر إلى الغنى، ومن الشدة إلى الرخاء، فهنا ليس هناك تراخي بين الأمر والتحقيق والتنفيذ فَيَكُونُ [البقرة: 117] فهذه تدل على الفور، التعقيب المباشر. 

مواد ذات صلة