الجمعة 12 / ذو القعدة / 1441 - 03 / يوليو 2020
[200] قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ..} الآية:247
تاريخ النشر: ٢٢ / جمادى الآخرة / ١٤٣٧
التحميل: 792
مرات الإستماع: 1341

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

يقول الله -تبارك وتعالى- في ذكر خبر الملأ من بني إسرائيل الذين طلبوا من نبي لهم أن يبعث لهم ملكًا، يقاتلون معه في سبيل الله، وأنه كان يظن فيهم أن يتراجعوا؛ لما سألهم عن ذلك، أبدوا له الإصرار والثبات، وما يوجب هذا الانبعاث منهم، ثم قال لهم نبيهم كما قال الله -تبارك وتعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة:247].

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا أي: أرسل لكم طالوت ملكًا، بناء على طلبكم أن نبعث لكم ملكًا تقاتلون معه في سبيل الله، فتحقق ذلك كما طلبتم، فقال هؤلاء الملأ معترضين على هذا الاختيار: كيف يكون ملكًا علينا، وهو ليس بأهل لذلك؟ باعتبار المعايير والمقاييس التي يقيسون الناس بها وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ.

وكما ذكرنا سابقًا أن من المُفسرين قال -ومبنى ذلك على أخبار بني إسرائيل، ولا يعول عليها: إنه لم يكن من سِبط الملوك، وكان الملك في بني إسرائيل في سبط قبيلة من قبائلهم، وكانت قبائل بني إسرائيل -كما هو معلوم- ترجع إلى أولاد يعقوب ، فهذا لم يكن من أبناء الملوك، فتعجبوا من ذلك، واستنكروا، واستنكفوا، فقال لهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم، وهو أعلم بأمور عباده، وزاده سعة في العلم، وقوة في الجسم، والله له الملك كله، يؤتيه من يشاء، وهو واسع الفضل والعطاء، عليم بأحوال الخلق، وما يصلحهم، ولا يخفى عليه شيء فما عليكم إلا التسليم.

فقال لهم بعد أن طلبوا منه أن يبعث لهم ملكًا: قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا فلما ذكروا له ما يدل على ثباتهم، قال لهم بعد ذلك بتفصيل بعد الإجمال، ففي قوله: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ تفصيل لما سبق من الطلب والسؤال الذي وجه إليهم من قِبل نبيهم، بيّن ما كانوا عليه من التلكؤ والتراجع، فكرر الفعل وَقَالَ فهذا ليس من جملة كلامه الأول، وإنما هذا حديث آخر جاء بعد ذلك، ففي البداية قال لهم: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا فكان الحديث عن هذه القضية: هل تثبتون على هذا المبدأ؟

وهنا في إخبارهم عما تحقق لهم من مطلوبهم، من بعث الملك فكُرر الفعل ثانية، وجاء التأكيد للخبر: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ودخلت (قد) على الفعل الماضي، فذلك يدل على التحقيق، ومن شأن الأخبار التي يحصل فيها التردد، أو الشك عند السامع: أن تؤكد بالمؤكدات، فجاء التأكيد هنا بـ(إن) الذي هو بمنزلة إعادة الجملة مرتين إِنَّ اللهَ لأنهم كانوا متشككين ومترددين، ولم يُجد ذلك معهم أيضًا، فأبدوا المعارضة أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وكيف يكون له الملك علينا؟

فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ فالأمر لما يكون محل معارضة من قِبل السامعين، فإنه يحتاج إلى تأكيد، ويحتاج إلى ما يحصل به الإقناع، فذكر اصطفاء الله -تبارك وتعالى- له، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا فهذا اختيار من الله واصطفاء، كما قال لهم بعد ذلك: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ فذكر ما يؤهله لذلك من المقومات وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ.

فذكر لهم اختيار الله أولاً، وهذا ينبغي أن يُقابل بالتسليم؛ لأن هذا ليس باجتهاد، وإنما اختاره صاحب الملك، وهو أيضًا العليم بخلقه، ومن يصلح لهذا المطلوب، ثم أيضًا لم يُضف ذلك إلى نفسه، فلم يقل: قد اخترت لكم طالوت، مع أنهم قالوا: ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله، وإنما قال: إن الله، فأسند ذلك إلى ربه -تبارك وتعالى، فدلّ على أنه وحي من الله، ولم يكن باجتهاد من هذا النبي.

ثم في هذه الجُمل التي خاطبهم بها، والتي ذكر فيها: الاصطفاء الإلهي، ثم بقية المؤهلات، وهي البسطة في العلم والجسم، والبسطة في الجسم تعني: طول القامة، والقوة؛ وبيّن أيضًا أن الله -تبارك وتعالى- يؤتي ملكه من يشاء، فلا يحق لأحد أن يعترض عليه، وهذا أيضًا يرجع إلى حكمته -جل جلاله وتقدست أسماؤه، وهو واسع عليم، فضله واسع، يتفضل به على من يشاء، وهو عليم بأحوال هؤلاء الخلق، وما يصلح لهم.

فهم اعترضوا فقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ بناء على ماذا؟ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ فجاء الرد: بأن ذلك من قبيل الاصطفاء من الله -تبارك وتعالى، الاصطفاء المبني على الحكمة، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [سورة القصص:68] فهذا اختيار بعد الخلق، فهو يخلق ثم يختار مما خلق، فيختار للنبوة، ويختار للملك، ويختار لطاعته وعبادته، ويختار لولايته، والقُرب منه، إلى غير ذلك من أنواع الاختيار.

ثم إن هذه المعارضات أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ إلى آخره، قد قادت إلى مزيد من البيان والإيضاح، فالحق حينما يُعارض يزيده ذلك وضوحًا، فمُعارضات هؤلاء زادت الأمر وضوحًا، فذكر ما له من المزايا والخصائص، وذكر ما يتصل باختيار الله  وفضله وعطاءه وجوده واصطفائه، فلما اعترضوا جاءت هذه الأجوبة.

ثم تأمّل في هذا الجواب الذي أجابهم به نبيهم: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ فهذه خصائص من شأنها أن يُسلم الناس قيادهم لمن اتصف بها: القوة العلمية، والقوة البدنية العملية، كما قال الله -تبارك وتعالى: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ [سورة ص:45] فجمع لهم بين القوتين أُوْلِي الأَيْدِي يعني: القوة في طاعة الله وعبادته وجهاد أعدائه، وتبليغ الدعوة، فهم أصحاب جلد وقوة في النهوض بأمر الله -تبارك وتعالى، وهم أيضًا أصحاب بصائر، فعندهم من العلم ما يجتمع مع هذه القوة، فتحصل القوتان، القوة العلمية، والقوة العملية، وهذا هو الكمال، فقد يوجد عند الإنسان القوة في البدن، ونحو ذلك، لكن ليس عنده بقية الصفات.

والله -تبارك وتعالى- ذم المنافقين، فقال: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [سورة المنافقون:4] فهم يتميزون بأجسام وقامات، ولكن للأسف أشباح بلا أرواح، كأنهم خُشب، والخُشب والألواح يُضرب بها المثل في البلادة، والغباء، ونحو ذلك، وأيضًا مُسندة، يعني: لا يقوم عليها سقف، أو نحو ذلك، وإنما هي عالة وعِبء على غيرها، فما فائدة هذه الأجسام؟ لكن إذا وجد هذا وهذا، فهو الكمال، فالعلم والرأي مع القوة البدنية والعملية، فهذا الذي يحصل به كمال الولايات، وإذا فُقد شيء من ذلك، كان نقصًا في كماله؛ ولهذا قالت تلك المرأة التي سقى لها ولأختها موسى : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [سورة القصص:26] القوي في البدن، والقوي في الأمانة، شمل الجانب المادي، والجانب المعنوي، فهو الأمين الذي يحفظ المصالح، ويحوطها ويرعاها، وما أشبه ذلك، فهذا من الكمالات، فهو بهذه المثابة: أكمل علمًا وقوة، وهذا يدل على ما يُطلب في الولايات من العلم، وهو في كل شيء بحسبه، يعني بحسب الولاية والقوة، فيكون ذلك كاملاً، فلا يُنظر إلى الصلاح فقط والتقوى؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: بأنه إذا وجد من يكون فيه قوة للمسلمين، وجلد، وحُسن تدبير، سواء كان ذلك في إمارة الجيوش، أو في الولايات، وآخر فيه صلاح وتقوى، لكنه ضعيف، والقوي فيه فسق، فسقه عليه، وبلاؤه وقوته للمسلمين[1]، لكن هذا الإنسان الصالح التقي العابد إن لم يكن فيه قوة، فذلك الضعف يعود إلى الأمة، فصلاحه له، لكنه ضعيف سيفشل؛ ولهذا الناس إذا أرادوا أن يُرشحوا مثلاً فيمن يُطلب منهم الترشيح فيه، لا يبحثون عن التقي، أو الصالح من غير نظر إلى الكمالات الأخرى، هل يُحسن هذا الجانب أو لا؟ ينظر إلى مؤهلاته وخبراته، فكون الإنسان من أهل الخير والصلاح لا يكفي، بل لا بد أن يكون له بصر في هذا الباب، ومعرفة وعلم وقوة علمية وعملية، فبذلك تتحقق المصالح المرجوة.

وهذا السؤال الذي طلبوا: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صار بالنسبة لهم من الأمور المُستثقلة؛ ولهذا قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [سورة المائدة:101] وهذا في وقت التنزيل، فيحرم السؤال عن أشياء لم تُحرم فتُحرم بسببه، أو نحو ذلك، وبنو إسرائيل لما أمروا بذبح بقرة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [سورة البقرة:67] شددوا، فسألوا عن سنها، ثم سألوا عن لونها، ثم سألوا عن عملها، هل هي عاملة مُذللة أو لا؟ فجاء الجواب بما ضيق عليهم، فذكر أوصاف لهذه البقرة، حتى تعبوا في البحث عنها، فبعض الأسئلة ربما تورث عواقب لا يحمدها السائل، أو توقعه في حرج، ونحو ذلك، فليس معنى ذلك: ألا يتفقه في الدين، لكن المقصود الأسئلة المُتكلفة، أو بعض الأسئلة في وقت التنزيل.

وفي قوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ فالملك لله  وحده، وما بأيدي الناس من الملك إنما هو ملك لله قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة آل عمران:26] وهكذا الأملاك التي بأيدي الناس فما يملكه الإنسان فالواقع أنه مُلك لله ، فينبغي أن يستعمله في مرضاة الله، وأن يقوم عليه بما يُرضي ربه -تبارك وتعالى.

وهكذا أيضًا يُؤخذ من هذه الآية: أن الملك قد يأتي لمن لا يترقبه، وهكذا سائر الولايات فقد يصير الملك إلى إنسان لم يتوقعه، فهذا إنما يكون باختيار الله ، فهو الذي يهب الملك لمن يشاء، وهكذا قد تصير إليه ولاية من الولايات لم يترقبها، بينما آخر قد يتهالك، ويبذل دينه، وكل ما استطاع من أجل أن يُحصل شيئًا من الولايات، ويؤتى بآخر لم يسع لذلك، ولم يطلبه، ويوضع في هذا المكان؛ وذلك الذي ما ترك شيئًا يتوصل به إلى هذا المطلوب إلا فعله، ومع ذلك لم يحصل له مُراده.

وقدم البسطة في العلم على البسطة في الجسم، وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [سورة البقرة: 247] باعتبار أن هذه الكمالات والفضائل متفاوتة، فلا شك أن البسطة في العلم أهم من البسطة في الجسم، وكما سبق أنه إذا كانت البسطة في الجسم بلا علم ولا حُسن تدبير، فيكون مثل هذا في غاية الضعف؛ ولذلك انظر إلى البهائم من ذوات القامات المُمتدة لما لم تكن متصفة لا بالعلم ولا بالعقل، كان ذلك غير مُغنٍ عنها، فالبسطة في العلم هي الأساس، فإذا حصل معها البسطة في الجسم فهذا كمال، وهذا كله من فضل الله -تبارك وتعالى- على عباده.

ويُؤخذ من زيادة البسطة في العلم والجسم: أن مثل هذه الأمور لها أثر، حتى البسطة في الجسم، فهو يقدر بذلك على تدبير أمور مملكته، وكذلك أيضًا الحرب، وقيادة الجيوش، ونحو ذلك، هذا لأنهم يريدون القتال في سبيل الله، وكذلك أيضًا ذلك أعظم هيبة في نفوس الأعداء، فالهيئة والصورة هذا أمر يُراعى ويُلاحظ ولا يُغفل عنه، يعني: أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- ما كانوا يُعنون بشيء من المظاهر، ينام في المسجد وتحت شجرة، الجيل الذي كان فيه يقيس الأمور بمقاييس شرعية، فهم لا يغترون بالمظاهر، ولا يعبأون بها، وعلى طريقة العرب الأولين، كانوا ينظرون إلى الحقائق، وليس إلى الأشكال والصور، وهذا هو الصحيح.

خذ بنصل السيف واترك غمده واعتبر فضل الفتى دون الحلل[2]

فليست العبرة بالغِمد، وليست بالثياب، وإنما ما تحت الثياب، لكن عامة الخلق ليسوا كذلك، فقد تغيرت أحوال الناس؛ ولهذا فإن من المهابة، وإنفاذ أمر السلطان، وعدم جراءة الناس عليه: أن يكون من المظاهر ما يورث الهيبة في نفوس الناس، في هيئته هو، وكذلك ما يحتف به، بحيث إذا جاء هؤلاء إلى هذا السلطان أو إلى القاضي، أو نحو ذلك، في موضعه ومحله ومكتبه، أو نحو هذا، يكون له هيبة، لينفذ حكمه، لكن لو كان القاضي يجلس تحت شجرة مثلاً، أو عند عتبة بابه، أو نحو ذلك لاجترأ الناس عليه، أو كان في مكتب متواضع جدًا، فقد يستطيلون عليه، ولا يعبأون به، ويردون عليه، ونحو ذلك، كما قال الحافظ ابن القيم -رحمه الله:

والناس أكثرهم فأهل مظاهر تبدو لهم ليسوا بأهل معانِ
فهم القشور وبالقشور قوامهم واللُب حظ خُلاصة الإنسانِ[3]

فكثير من الخلق لا ينظر إلا إلى ساعتك التي تلبسها، وثيابك، ومركبتك، والمكتب الذي أنت فيه، ونحو ذلك، فهذه الولايات التي يُراد لها النفاد، ربما تكون المصلحة أن يكون ذلك في حال بحيث إذا دخل الداخل يبدأ النبض عنده يرتفع، على أساس يكون لهذه القرارات والأحكام نفاذ، وإذا كان الناس في مثل زمن أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- فيحكم بينهم في المسجد، فهذه أمور تُراعى؛ ولذلك عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- لما ولي الخلافة أراد أن ينزع ما في جامع دمشق الذي بناه الأمويون، من الفُسيفساء والأحجار الكريمة، كونها من المُخالفات والبدع، وإضاعة المال، وفيه نهي عن زخرفة المساجد، فقيل لعمر بن عبد العزيز -رحمه الله: إن المسلمين بذلوا فيها أموال طائلة، وقِدم بها تجارهم من بلاد الروم، يعني من مكان بعيد، وهذه الزينات والأحجار الكريمة، فنزعها يعني إضاعة وإتلاف، ونحو ذلك، فأمر عمر بسترها بالسُتور على أساس يُغطي هذه الزخارف والأحجار الكريمة، فبينما هم كذلك جاء عظيم من أهل ملتهم، يعني: رجل من أهل الديانة النصرانية، فدخل الجامع، فلما نظر بهره ذلك، فقال: إن هذا ينبغي أن يكون لأمة عظيمة، فلما أخبروا عمر بما سمعوا منه، قال: ألا أرى مسجد دمشق غيظًا على الكفار، فترك ما كان هم به من أمره[4].

ولهذا يذكر أهل العلم فيما يتعلق بالمركب، واللباس، ونحو ذلك: أنها إن كان لإغاظة أعداء الله، فهذا أمر لا إشكال فيه، أما إن كان للفخر والخُيلاء والإسراف والتبذير، فهذا لا يجوز، فقد تكون بعض الأفعال والتصرفات ونحو ذلك من قبيل السياسة الشرعية، والله تعالى أعلم.

وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ واسع في عطائه وجوده وملكه وغِناه، وعليم يعلم أحوال الخلق، فمن لا يصل إليه شيء من ذلك: إما من ولاية، أو مال، أو نحو ذلك، لا يظن أنه نُسي، أو أن الخزائن قلت، لا، فالله واسع، ويعلم أحوال الخلق بالتفصيل، ولا يفوته أحد، ولا ينسى أحدًا، لكن لعلم وحكمة أعطى هذا، ولم يُعط هذا، فينبغي على العبد أن يرضى بما أعطاه الله .

هذا والله أعلم، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  1. الحسبة في الإسلام، أو وظيفة الحكومة الإسلامية (ص:12) والفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 556).
  2. البيت لابن الوردي من لاميته التي مطلعها:
    اعتزل ذكر الأغاني والغزل *** وقل الفصل وجانب من هزل
    انظر: نفح الأزهار في منتخبات الأشعار (ص:54).
  3. القصيدة النونية - ابن القيم (ص: 15).
  4. تاريخ دمشق لابن عساكر (2/ 276).

مواد ذات صلة