بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تتمة كلامه على قوله -جل وعلا-: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [سورة الحجر:95] الآيات.
معنى الطلاطلة في اللغة: الداهية.
هذه راجعتُها، ضبطها بعضهم مَلْكان، وضبطها بعضُهم مَلَكان -مثلما قرأتَها أمس-، وضُبِطَت -أيضًا- بالكسر والإسكان: مِلْكان.
فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء أنزل الله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [سورة الحجر:94- 96].
وقال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء: أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه فمات منه حَبَنًا، ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرحٍ بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يجر سَبَلَه، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نَبْلًا له.
الحَبَن: انتفاخ البطن من داءٍ، فمات منه حَبَنًا.
يريش نَبْلًا له: يعني يلصق فيه الريش. تعرفون النَّبْل؟ السهم يوضع فيه الريش من أجل أن ينطلق بطريقة لا يميل.
فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به فقتله، ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص قدمه فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض على شِبْرِقة فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته، ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحًا فقتله.
فانتقض: يعني جراحه انتقضت، يعني: تجددت بعدما برئت.
فامتخض بالضاد، فامتخض قيحًا، يعني تحرك القيح في رأسه وانتشر فمات.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فكما أن الأثر السابق ذكرنا أنه لا يصح، وهذا -أيضًا- كذلك؛ فقد... كما ترون: ”وعن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء: أن جبريل..“ إلى آخره، وجاء أيضًا بنحوه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عند أبي نعيم ولكنه بإسناد حكم عليه بالوضع، ولكن يوجد -على كل حالٍ- من الآثار التي تشبه هذا ما هو أحسن حالًا وأقوى سندًا، كما ذكرتُ بالأمس أنَّ مجموع هذه الروايات يدل على أن لذلك أصلًا، والله أعلم.
يعني هذه الآية: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، كما قال الله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ [سورة الأنعام:33] وكقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [سورة الكهف:6]، فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا... [سورة هود:12] الآية، فهذه الآيات ونظائرها تدل على هذا المعنى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ.
ثم أرشده إلى ما يفعله عند ذلك فقال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، كما قال الله : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [سورة المزمل:5] ثم قال له: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [سورة المزمل:6- 7]، الشاهد أنه أرشده إلى قيام الليل، وهكذا أيضًا في قوله -تبارك وتعالى-: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [سورة البقرة:45] يستعان بها على هذا وعلى كل ما يصيب الإنسان من الشدائد، وحتى على القيام والنهوض بالتكاليف الشرعية.
وفي بعض الألفاظ: اكفني أربع ركعات[3].
وقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [سورة الحجر:99] قال البخاري: قال سالم: الموت، وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، كما روى ابن جرير عن سالم بن عبد الله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، قال: الموت، وفي الصحيح عن أم العلاء -امرأة من الأنصار رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله ﷺ: وما يدريك أن الله أكرمه؟، فقلتُ: بأبي وأمي يا رسول الله، فمن؟ فقال: أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير[4]، ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتًا، فيصلي بحسب حاله.
لأن ذلك قيد إلى حد الوفاة: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، وسواء كان ذلك في الصلاة أو في غيرها، ويبين ذلك الحديث الذي ذكر فيه النبي ﷺ أن القلم رفع عن ثلاثة[5]، فطالما أن الإنسان وجد فيه العقل فإنه مطالب بالعبادة إلى أن يأتيه الموت، فالعبادة لا تسقط عن المكلف ما دام يعقل، لا تسقط سقوطًا كليًّا ولا تصير إلى بدل، بخلاف بعض العبادات التي تسقط بالعجز كالحج، وعلى كل حالٍ منها ما يسقط إلى بدل مثل؛ الوضوء إلى التيمم، أما تفسير بعض الصوفية بأن اليقين هو أن يصل الإنسان -كما يزعمون- إلى مرحلة الكشف، ثم تسقط عنه بعد ذلك التكاليف، فهذه زندقة -على كل حالٍ- وإلحاد.
وفي قوله تعالى مثلًا: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [سورة المدثر:43- 47] أتاهم اليقين يعني: الكشف، هؤلاء الكفار في النار يقولون هذا، يقولون: حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ! ما معنى اليقين؟ يعني: الموت، والقرآن يفسر بالقرآن، وهذا الحديث في عثمان بن مظعون قال: فقد جاءه اليقين[6] يعني: الموت.
كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنْب[7]، ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل؛ فإن الأنبياء -عليهم السلام- كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين ههنا الموت، كما قدمناه، ولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسؤول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها؛ فإنه جواد كريم.
آخر تفسير سورة الحجر، والحمد لله رب العالمين.
- وذكره الحافظ –أيضًا- في البداية والنهاية (3/ 105)، وابن هشام في السيرة (2/ 256).
- رواه الإمام أحمد في المسند برقم (22469)، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (4342).
- رواه الإمام أحمد في المسند برقم (17390)، وقال محققوه: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير نعيم بن همار، فقد روى له أبو داود والنسائي، وهو في قول الجمهور صحابي، وعده العجلي تابعيًا، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2794).
- رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات، برقم (2541).
- رواه أبو داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا، برقم (4398)، وابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، برقم (2041)، والنسائي، كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، برقم (3432)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3512).
- رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه، برقم (1186).
- رواه البخاري، أبواب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب، برقم (1066).