الجمعة 24 / ذو الحجة / 1441 - 14 / أغسطس 2020
[15] من قوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} الآية 54 إلى قوله تعالى: {كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} الآية 58
تاريخ النشر: ٢٤ / محرّم / ١٤٢٩
التحميل: 2550
مرات الإستماع: 2557

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ۝ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [سورة الإسراء:54، 55].

يقول تعالى: رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ أيها الناس، أي: أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه، أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ: يا محمد عَلَيْهِمْ وَكِيلاً: أي إنما أرسلناك نذيراً، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار.

وقوله: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ: أي بمراتبهم في الطاعة والمعصية، وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وكما قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [سورة البقرة:253]، وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: لا تفضلوا بين الأنبياء؛ فإن المراد من ذاك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، فإذا دل الدليل على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصاً في آيتين من القرآن، في سورة الأحزاب: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [سورة الأحزاب:7] وفي الشورى قوله: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [سورة الشورى:13] ولا خلاف أن محمداً ﷺ أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى -عليهم السلام- على المشهور، وقد بسطناه بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق.

وقوله تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا تنبيه على فضله وشرفه.

روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: خُفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فكان يقرؤه قبل أن يفرغ: يعني القرآن[1].

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ يقول: أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق، إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه، يمكن أن يكون المعنى -والله تعالى أعلم- أعم من هذا، أي أعلم بمن يستحق الهداية ومن لا يستحق، وهو أيضاً أعلم بهم من جهة أعمالهم وصلاحهم، وجناياتهم، وطاعاتهم، إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ على هذه الأعمال والجنايات والمقارفات التي لا يرضاها، أو إن يشأ يرحمكم، ويغفر لكم ما بدر منكم من الزلل والنقص والتقصير في حقه -تبارك وتعالى، فلا يخفى عليه من أحوالكم خافية، فأنتم تحت مشيئته وقدرته، لا تخرجون عن ذلك في قليل ولا كثير.

فالمعنى -والله تعالى أعلم- لا يختص بالهداية والغواية، وإنما يشمل هذا وغيره، ويقول: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ، وهذا مما يُشعر بالمعنى الذي ذكرته آنفاً، فالله أعلم بأحوال الخلق من كل وجه، وقد فاضل بينهم، فاختار أهل الإيمان على سائر الناس، واختار من أهل الإيمان الأنبياءَ -عليهم الصلاة والسلام، واختار من الأنبياء محمداً ﷺ، فهو أفضلهم وأعظمهم قدراً عند الله -تبارك وتعالى، وهذا عن علم منه -تبارك وتعالى- بخلقه.

يقول: وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيحين لا تفضلوا بين الأنبياء، فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، وهذا هو التوجيه المعتبر في مثل هذا الحديث، فإنه لما حلف رجل من اليهود قال: والذي فضل موسى، أو كلمة نحوها، لطمه رجل من المسلمين، وقال: تقول هذا ومحمد ﷺ بين أظهرنا؟! فالرجل جاء إلى النبي ﷺ يشكو إليه، فنهى النبي ﷺ عن التفضيل بين الأنبياء، وتوجيه النهي فيما إذا كان على سبيل العصبية، أو أن يكون التفضيل مشعراً بشيء من الانتقاص والحط من مرتبة أحد من أنبياء الله .

وهذا كما يقال أيضاً في توجيه القراءات الثابتة: إنه لا يجوز الترجيح بين القراءات والمفاضلة بينها بحيث يكون ذلك على وجه يشعر بانتقاص القراءة الأخرى، أما أن يكون ذلك على سبيل الاختيار فهذا لا إشكال فيه، كأن يقال: هذه القراءة مثلاً أوسع في المعنى، أو أنها أكثر ملاءمة للسياق، أو أدل على المقصود، أو نحو هذا من العبارات، كأن تقول مثلاً: قراءة مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [سورة الفاتحة:4] فيها من المعنى ما ليس في قراءة مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [سورة الفاتحة:4] لكن لا بأسلوب يشعر بالحط من القراءة الأخرى.

الشاهد أنه هكذا التفضيل، وإلا فإن النبي ﷺ قال: أنا سيد ولد آدم[2]، وجاء عنه أحاديث صحيحة في هذا المعنى، تدل على أنه أشرف الأنبياء، والجمع هو ما ذكر من أن النهي وارد بخصوص ما إذا كان ذلك على سبيل العصبية أو القدح بأحد من الأنبياء، أو نحو هذا، وتجدون الكلام في مثل هذه المسألة في مثل شرح العقيدة الطحاوية، ويقول هنا: وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصاً في آيتين من القرآن، في سورة الأحزاب: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [سورة الأحزاب:7] وفي الشورى قوله: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ [سورة الشورى:13]، وليس في الآيتين ما هو مصرِّح بأن هؤلاء هم أولو العزم، إطلاقاً، فالآية الأولى في أخذ الميثاق، والآية الثانية فيما شرع من الدين مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا إلى آخره، وإنما جاء ذكر أولي العزم في آية أخرى، وهي قوله: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف:35] ولم يذكرهم، ولهذا اختلف العلماء في أولي العزم.

فبعضهم ذكر هؤلاء الخمسة، وبعضهم ذكر أكثر من هذا أو أقل، فليس هذا محل اتفاق، والذي أظنه أقرب -والله تعالى أعلم- أن أولي العزم لا يختصون بهؤلاء الخمسة، وليس عندنا دليل لا من الكتاب ولا من السنة على تحديد أولي العزم بهؤلاء الخمسة، فالله أمر رسوله ﷺ أن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولم يذكرهم، وأولو العزم هم أصحاب العزائم العظيمة، والصبر العظيم على أذى قومهم، وفي تبليغ ما أمرهم الله ببلاغه، والتخصيص بهؤلاء الخمسة يحتاج إلى دليل، ولا شك أن هؤلاء الخمسة من أجلّ الأنبياء، ومن أفضل الرسل -عليهم الصلاة والسلام، لكن من أين لنا أن أولي العزم فقط هم هؤلاء، لا يشاركهم في ذلك الوصف أحد من الرسل -عليهم الصلاة والسلام؟ ما عندنا دليل، ففي الآيتين لم يذكر الله شيئاً يتعلق بأولي العزم، والله تعالى أعلم.

قوله: وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا، ذكر الحديث خُفف على داود القرآن والمقصود به الزبور، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فكان يقرؤه قبل أن يفرغ يعني القرآن، يعني أنه خفف عنه، يعني من الناس من يقرأ القراءة الكثيرة في الوقت اليسير، ومن الناس من يكون بحال أخرى عكس ذلك، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذا مشاهد في قراءة الناس إلى اليوم، من الناس من قد يختم القرآن يوم الجمعة، يبدأ من بعد صلاة الفجر إلى أن يخرج الخطيب، ويختم، ومن الناس من يحتاج في القراءة وفي الختم إلى مدة طويلة، في صلاة التراويح مثلاً، من الناس من يقرأ قراءة لا تشق على الناس إطلاقاً، وفي آخر الشهر يختم، ومن الناس من يطيل أكثر ويقرأ، ولربما يأتي آخر الشهر وهو لم يجاوز المائدة، وهذا شيء مشاهد، فمن الناس من خفف عليه القرآن، ولذلك يوجد من المساجد -وهو أمر يتكرر في كل عام- من يختم في رمضان سبع ختمات وثمانٍ في صلاة الجماعة، ولا يجدون مشقة، ومن الناس من لا يستطيع أن يقرأ نصف القرآن في الشهر، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

طالب: كلامه -رعاك الله- مسلَّم لمّا قال: ولا خلاف أن محمداً ﷺ ثم إبراهيم ثم موسى؟

ثم بعده إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، الله تعالى أعلم، لكن إذا نظرت إلى مراتب الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في السماء، إدريس -عليه الصلاة والسلام- في السماء الرابعة، وعيسى ﷺ في الثانية، فإذا قلنا: إن هذا دليل على المفاضلة، فيمكن أن يفهم منه أن إدريس -عليه الصلاة والسلام- أفضل من عيسى ﷺ، قد يقال، ولكن الله تعالى أعلم، ولا شك أن هؤلاء الأنبياء من أفضل الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام، والله يقول: وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [سورة النساء:164].

قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [سورة الإسراء:57].

يقول تعالى: قُلِ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله: ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ من الأصنام والأنداد، فارغبوا إليهم، فإنهم، لاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ: أي بالكلية، وَلاَ تَحْوِيلاً: أي بأن يحولوه إلى غيركم، والمعنى أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر. قال العوفي عن ابن عباس -ا- في قوله: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم الآية، قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً، وهم الذين يدعون -يعني الملائكة والمسيح وعزيراً.

وقوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الآية، روى البخاري من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله في قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ قال: ناس من الجن كانوا يُعبدون فأسلموا، وفي رواية: قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم.

وقوله تعالى: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات. وقوله تعالى: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا: أي ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذاً بالله منه.

في قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، يقول: روى البخاري من حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله -يعني ابن مسعود قال: ناس من الجن كانوا يُعبدون فأسلموا، وفي رواية كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم، يعني الكفار، فهم لا زالوا يعبدونهم، وأولئك الجن يعبدون الله ويتقربون إليه، فهذا يصدق على هؤلاء الجن الذين أسلموا، ويصدق أيضاً على من عَبدَ عيسى -عليه الصلاة والسلام، وعَبَدَ العزير، والذين عبدوا الملائكة، فتُخص الآية بمثل هذا ولا يقال في كل معبود؛ لأن من الناس من يعبد الشيطان، ومن الناس من يعبد أعداء لله ، ومن الناس من يعبد الأحجار، والآية تدل على معبودين بأعيانهم أو بنوعهم من بين سائر من عُبد من دون الله -تبارك وتعالى، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ: يعني المدعوين، يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، والوسيلة: هي التقرب إلى الله بالطاعة والعبادة، هذه القربة يقال لها: وسيلة؛ لأنهم يتوسلون بها إلى مرضاة الله -تبارك وتعالى، ونيل ما عنده من الثواب، يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، يَبْتَغُونَ: أي يطلبون، أَيُّهُمْ أَقْرَبُ: أي إلى الله -تبارك وتعالى- بعمله الصالح، ويرجون رحمته ويخافون عذابه.

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا: أي جدير بأن يُتقى؛ لشدته.

وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [سورة الإسراء:58].

هذا إخبار من الله بأنه قد حتم وقضى بما عنده في اللوح المحفوظ: أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم عَذَابًا شَدِيدًا إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ [سورة هود:101]، وقال تعالى: فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا [سورة الطلاق:9] وقال: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا [سورة الطلاق:8] الآيات.

في قوله: وَإِن مَّن قَرْيَةٍ: يعني وما من قرية، فـ”إن“ هنا نافية، وقرية هنا نكرة في سياق النفي، وذلك للعموم، ما من قرية إلا وسيحصل لها هذا الإهلاك قبل يوم القيامة، أو العذاب الشديد، ويرِدُ على هذا سؤال إذا كان الأمر كما قد يفهم من ظاهر الآية، فكلام الحافظ ابن كثير هنا فيه شيء من الإجمال، لكن فيما ورد في بعض الآثار في معنى الآية: كل قرية سينزل الله بها الإهلاك والاستئصال إما بالعذاب أو بأمر آخر، فهذا يرد عليه إشكال بالنسبة للعموم الذي في الآية، ولهذا قال بعضهم: إن هذا من باب حذف الصفة، وَإِن مَّن قَرْيَةٍ ظالمة، قالوا: توجد صفة محذوفة، وإنما يكون ذلك للقرى الظالمة، كما قال الله : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [سورة القصص:59].

وخصه بعضهم بالقرى الكافرة، وهذا بمعنى الأول، قال: وَإِن مَّن قَرْيَةٍ هذا عام في اللفظ لكنه من العام المراد به الخصوص، ولا يراد به العموم، ولعل الأقرب -والله تعالى أعلم- أن يبقى ذلك على عمومه، ولا يُخص بقرى الكفار، ولا بالقرى الظالمة؛ فالله يخبر أنه ما من أهل قرية -قرية: المقصود بها أهل القرية، فالقرية تطلق تارة على هذا وتارة على ما فيها من البنيان- إلا سيهلكون إما بموت، وإما بعذاب يستأصلهم، وهذه سنة الله في الخلق قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فالناس لا يعمرون في هذه الحياة الدنيا ويخلدون، وإنما الموت حكم لازم واقع بهم لا محالة إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [سورة الزمر:30]، فلن يبقى أحد من الناس مخلدًا في هذه الحياة، فالقرى تخلو من أهلها ويئول أمرها إلى الخراب -والمقصود بالقرى يشمل المدن- وتتلاشى، لكن الموت قد يأخذهم الواحد بعد الواحد، حتى يأتي على الجميع، فلو أن الناس في القرون الماضية ماتوا دفعة واحدة لانقطع نسلهم، ولكن أين الأجيال السابقة؟ مات الواحد بعد الواحد، ثم بعد ذلك لم يبق منهم أحد، فهكذا وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، والله أعلم، وهذا القول هو الذي اختاره الزجَّاج، وهو واضح إن شاء الله، موافق للواقع ولسنة الله في هذا الخلق.

فائدة في ذكر إيتاء داود الزبور بعد ذكر تفضيل الأنبياء:

المعلوم أن ذكر الخاص بعد العام يدل على شرفه تنويهًا به، فهذا فيه تشريف لداود -عليه الصلاة والسلام، مثلما قال الله لما ذكر الأمم المهلكة قال: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا [سورة الإسراء:59] لماذا ذكر ثمود من بين سائر الأمم؟ يمكن أن يقال: لقربها منهم، فهي بلاد العرب وهكذا.

  1. صحيح البخاري: (4/1747) باب وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا: برقم: (4436)
  2. صحيح مسلم: (4/1782) باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق: برقم: (2278)

مواد ذات صلة